معركة الساحل، لماذا هي ضرورية؟

الثلاثاء 2013/08/20

لعل من أكبر أخطاء الجيش الحر، والمعارضة المسلحة عموماً، اقتصار عملهما على مناطق معينة وإخراج المناطق الموالية للنظام، أو ما يسمى بيئته الداعمة، من خارطة عملياتهما وهو الأمر الذي نتجت عنه بيئتان مختلفتان من حيث التأثر بارتدادات الحدث وعواقبه، وساهم تاليا في إطالة أمد الأزمة وانسداد أفق حلولها. لاشك أن النظام استثمر هذا الأمر إلى أبعد الحدود ببقاء هذه المناطق الموالية له، وبخاصة طرطوس واللاذقية، آمنة وسالمة، جعله يدعي بأن الفضل يعود له في ذلك وإنه يؤمن لها ما يلزمها من حماية واستمرار للحياة، في حين أن بيئة الثورة مدمرة وتفتقد لأبسط أنواع الحياة الإنسانية، فضلاً عن تعرضها لدمار قد يحتاج إلى عقود مقبلة حتى يمكن بناء ما تم تدميره.

كما أن عدم انخراط هذه المناطق فيما يحصل في سوريا جعل بيئة النظام راضية عنه إلى حد كبير. صحيح أن هذه البيئة كانت تخسر أبناءها في جبهات القتال، لكن النظام أقنعها بأن هؤلاء كانوا سيموتون أصلا في الدفاع عن بيئاتهم، في مواجهة المتطرفين والسلفيين، الذين يريدون إبادتهم واستحلال نسائهم وأموالهم وذبح أولادهم. أضف إلى أن هؤلاء غالباً ما يقفون خلف حائط سد من جنود أبناء السنة في الجيش «أغلب الذين انشقوا كشفوا هذه الحقيقة»، فهو باستخدامه لهؤلاء إنما يستثمر بالجنود السنّة ليحموا معاقله في طرطوس واللاذقية.

كان على الجيش الحر ألا يترك للنظام رفاهية الاختيار من احتمالات متعددة. وهذا كان يجب أن يتم من خلال جعل بيئة النظام تتحسس ما تشعر به بيئة الثورة. ولو حصل ذلك لكانت هذه البيئة انقلبت عليه وأجبرته على التفاوض، أو البحث عن مقاربات أخرى للخروج من هذه الأزمة.

كثيراً ما جرى الحديث عن فشل الثورة في استقطاب البيئة المؤيدة للنظام أو تحقيق اختراقات مهمة في بنيتها، لجعلها تؤيد الثورة. وفي الواقع، كان هذا كلاماً نظرياً أو تنظيرياً لا حظوظ له على أرض الواقع. ذلك أن بيئة النظام، وهذه يعرفها كل من كان يعيش لحظات ما قبل انطلاق الثورة، وكذا اللحظات الأولى والتالية من عمر الثورة، كانت متوترة ومتشنجة. وهي التي أوصلت النظام إلى ما هو عليه من تشدد، وأن الاختراق الأفضل والاستقطاب الممكن كان سيتحقق فقط من خلال إجبار بيئة النظام على الاشتراك في الوجع السوري العام، وليس التحايل على إرضائها وتقديم شهادات براءة عن الثورة، وانتظار الموافقة والرضى، وبخاصة وأن هذه البيئة كانت مستفيدة، وإن لم تكن شريكاً في الفساد والقهر، فهي شكلت الغطاء اللازم وأعطت المبرر لممارسات النظام.

قد يقول قائل أن ذلك كان سيسرّع بالحرب الأهلية ويساهم في تعميمها، والسؤال هنا هل هنالك سذاجة وعهر وكذب أكثر من هذا النمط التفكيري؟ وهل المشكلة بالتسميات فيما هناك بلد يصلب ويمشي على درب الآلام، فيما جزء من أخوة الشراكة يسمونه أقسى أنواع العذاب، موت لعشرات الآلاف، إخفاء لأعداد مماثلة، ونزوح للملايين، وسبي واغتصاب لآلاف النساء. بعد ذلك، إذا كانت تسمية هذا الحدث الجلل تجرح نرجسيتكم، سموه أي شيء آخر، لكن جدوا له مخرجاً.

لماذا هذه الدعوى الآن؟ لأن البقاء ضمن هذه العقلية المواربة والتبريرية، وذهنية التفكير بالوحدة الوطنية يرضي النظام إلى أبعد الحدود، ويبقي بيئته ملتفة ومتماسكة حوله ولا حاجة لها للتفكير في مقاربات أخرى. بل هي غير مضطرة إلى ذلك، طالما أن الساحل السوري ينعم بالهدوء ويستمتع بالمساعدات الروسية والإيرانية.

التفكير السليم والمنطق الإنساني، باتا يقتضيان أن تشترك بيئة النظام بالمأساة ما دامت شريكة بالوحدة الوطنية. فعليها أن تشارك بالنزوح والموت والتشرد والاعتقال والإخفاء وكل ويلات هذه الأزمة، ثم كشف منظومة الهيمنة الرسمية وتعريتها بأنها ليست ضامنة وحامية لبيئة النظام. إضافة إلى التخفيف من حدّة القتل والإجرام التي يمارسها النظام وأدواته، وليشعر الجنود أن هناك من سوف ينتقم من أسرهم.

بيئة النظام تقاتل بعسكرييها، والمدربين منها منهم، من المدنيين، النظام يرفض هذا المنطق ويعاقب مدنيي الطرف الآخر، حتى حجارة المناطق الثائرة.

هذا خيار وتفكير وطني لأنه يقطع على النظام الخيارات التي باتت تزدهر في مخيلته كالتقسيم، وإمكانية اللجوء إلى الكيان الطائفي. من غير المعقول أن يعمد متطرفو الطائفة إلى تدمير سوريا منزلاً- منزلاً وينهب كبار فاسديها ثروات سوريا، ثم يذهبون إلى دولتهم رافعين شارة النصر!، أضف إلى ذلك، فقد آن الأوان لكي يشعر بعض عتاة النظام أنه لم يعد بمقدورهم تدمير سوريا والاحتماء بالجبال من أي عقاب.

الوحدة الوطنية تتحقق بالعقل وبإدراك المصالح، هكذا نجحت في أميركا وفرنسا، وليس بالعواطف المهترئة، وإذا لم تشعر بيئة النظام بأن من مصلحتها وقف هذه المذبحة، سيفرح سدنة النظام كثيراً بسذاجة الثورة. وإن بقيت دمشق وحلب تذويان تحت آلة التدمير الأسدي، فيما تستجم طرطوس على سواحل المتوسط، سنخسر كثيراً من وحدتنا الوطنية وكثيراً من مدننا ومدنيتنا.

8