معركة الفلوجة.. انتصار شيماء قاسم على هادي العامري

السبت 2016/07/09

حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي والعضو في حزب الدعوة، يلعب دور عضو حزب الدعوة المؤمن بولاية الفقيه مع إيران، ورئيس الوزراء الوطني مع أميركا وقوات التحالف. أسلوبه الازدواجي في إدارة السلطة، سيخلق المزيد من الأزمات، ويؤدي إلى كوارث جديدة في بغداد بسبب استمرار العمليات الإرهابية فيها. سيتكرر سيناريو فجيعة الكرادة، إذا لم تتمكن إيران والميليشيات التابعة لها من إشعال الحرب الطائفية والعودة إلى واجهة الصراع كقوة شرعية حامية للشيعة من الإرهاب السني. على رئيس الوزراء أن يختار إما الوطنية والتحالف الدولي والقضاء على داعش والميليشيات، وإما ولاية الفقيه وحرب طائفية لإبادة السنة والتقدم باتجاه السعودية والخليج.

في الواقع ليس تنظيم داعش وحده منْ تعـرض إلى هـزيمة كبيـرة في الفلـوجة، ولكـن الميليشيات أيضا.

في الـوقت الـذي ينسق فيـه حيدر العـبادي مع قـوات التحـالف والجيش العراقي من جهة، والميليشيات الإيرانية أو الحشد الشعبي من جهة أخرى، لتحرير الفلوجة وتجاوز تداعيات اقتحام الجماهير الشيعية للمنطقة الخضراء، بدأ قاسم سليماني وقادة الميليشيات التابعة له اِستعراضاتهم الإعلامية، حيث اكتظ الإعلام الشيعي ومواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع تهديد ووعيد هادي العامري وأوس الخفاجي ضد الفلوجة وأهلها، كما تم تداول صور الجنرال قاسم سليماني، مـع ميليشياته في الأنبار، لإظهاره كقائد لمعركة الفلوجة.

ولأن قرار الهجوم على الفلوجة جاء كردة فعل لاِمتصاص غضب الجماهير على الفساد، تعرضت قوات التحالف مع الجيش العراقي إلى مأزق بسبب احتجاز داعش للمدنيين كدروع بشرية. إذا هربت العوائل من داعش، بطشت بها الميليشيات على أنها دواعش، استنكر الرأي العام العربي والدولي هذا الحال وأرغم الجيش وقوات التحالف على إبعاد الميليشيات إلى حدود المدينة. فعل إقصاء الميليشيات خارج المدينة دفع إيران إلى زيادة جرعة الاِستعراضات الإعلامية بالهجوم على الجيش العراقي والتشكيك في قدراته على إدارة المعركة. لكن ما حدث في الصقلاوية من خطف الميليشيات للرجال الفارين من التنظيم وتعذيبهم والتمثيل بجثثهم، وتعرض النساء والأطفال للاعتداءات الجنسية، أحرج العبادي وأجبره على التخلي عن الميليشيات وعن دوره كتابع لولاية الفقيه.

في غمرة تلك الأحداث، كانت المفاجأة التي أحبطت المخططات الإيرانية وشلت كل ما كانت تعول عليه من نتائج معركة الفلوجة، وفي مقدمتها استعادة ثقة الشيعة بقدرتها على حمايتهم وتخليصهم من داعـش. الآلاف من العـوائل نزحت من الفلوجة باتجاه الصحراء تحت حماية القـوات المسلحة العراقية. حشود بددت أحلام الميليشيات بالانتقام وهيأت المدينة لمعـركة عسكريـة نظيفـة بـين الجيـش وداعش.

ولأن قيادات تنظيم داعش هي مجاميع من المرتزقة استمدت قوتها من عقد الصفقات التجارية مع جهات سياسية في العراق ودول المنطقة. ولأن محاصرة روسيا ودول أوروبا الغربية لتركيا وفضح دورها كوسيط بين داعش والعالم، عرضا التنظيم لأزمة اقتصادية حادة. ولأن الأخبار تواردت عن سماح التنظيم للعوائل بالنزوح مقابل دفع مبلغ من المال، لا يبرر النزوح المفاجئ للأعداد الهائلة من أهل الفلوجة في ليلة وضحاها غير تدخل جهة لعقد صفقة مع التنظيم وشراء أرواح الأبرياء، ليبقى السؤال منْ هي هذه الجهة.

في تصريح لقائد واحدة من الفصائل الشعبية التي تقاتل تحت لواء الميليشيات على إحدى الفضائيات، قال ريان الكلداني إن الميليشيات لديها أدِلّة على اتصالات بين السفير السعودي وتنظيم داعش. لم يتطرق ريان الكلداني إلى تفاصيل عن طبيعة تلك الاتصالات، ولم يأخذ تصريحه الصدى المتوقع في الإعلام الإيراني أو الجهات العـراقية المتأثـرة به، مما يرجح الاحتمال بأن يكون السفير السعودي منْ دفع المال وأنقذ العوائل الفلوجية من أن تكون حطب المعركة.

بعد حل مشكلة المدنيين، تمكن الجنرال عبدالوهاب الساعدي قائد عمليات تحرير الفلوجة من إحراز النصر واستعادة ثقة العراقيين بجيشهم. كذلك فتحت نتائج المعركة آفاقا جديدة للعلاقات الدبلوماسية بين العراق ودول المنطقة، بعد أن قدم حيدر العبادي نفسه إعلاميا من الفلوجة كرئيس وزراء وطني حريص على سلامة شعبه بكافة طوائفه وقومياته.

بعد معركة الفلوجة، تقريبا بدأت مرحلة جديدة في العراق يمكن أن نطلق عليها المرحلة الوطنية، انهزم تنظيم داعش في الفلوجة وانكسرت شوكة قاسم سليماني والميليشيات في بغداد والجنوب. ولأن الهزيمة تؤجج رغبة الانتقام، شرع التنظيم بعملياته الانتقامية من حكومة بغداد التي هزمتـه، ومـن السعودية التي سهلت الانتصار عليه بعد أن كان غاية لا تدرك، ومن تركيا التي تخلت عنه. ثلاث عمليات انتحارية متتالية في تركيا والعراق والسعودية لم تتسبب بخسائر كارثية إلا في العراق، لماذا؟

وجدت إيران والميليشيات في عملية الكرادة الفرصة للتعافي والعودة إلى ساحة الصراع، كيف؟

بالتأكيد وصلت الحكومة العراقية معلومات استخباراتية عن تخطيط داعش للقيام بعمليات انتقامية، وبالتأكيد بوجود وزير داخلية مثل محمد الغبان ليس من الصعب على نوري المالكي وميليشياته تحـديد مكـان تلك العمليـات. فمن فتح الطريق للمركبة المفخخة وأتاح الركوب على موجة نتائجها ليحقق هدف الميليشيات بالعودة إلى الواجهة بذريعة الثأر لضحايا الشيعة؟

لكن من مطلق فلسفي وعلمي التجربة لا تكرر، فكان وعي الشارع العراقي أكبر من محاولات الميليشيات إيقاظ الروح الطائفية عنده. وبدل أن ينقاد لتحريض الميليشيات وجه دفة الغضب باتجاه الحكومة ودفعها إلى التحقيـق في الحادث وكشف الملفات التي صرح عنها النائب من التيار الصدري حاكم الزاملي، والتي دفعت عضو المجلس الأعلى والخادم التاريخي المخلص للولي الفقيه محمد الغبان إلى تقديم استقالته.

رغم ضحايا الكرادة وغصة الأمهات، ورغم ضحايا مخيمات النازحين واستكلاب ظالميهم، ورغم العيد الملطخ بالدماء، العراق ينهض بوعي شعبه ويرفض أن يكون الضحية للمشاريع الإسلامية في المنطقة. وما خروج ملكة جماله شيماء قاسم في تظاهرة على سكان الخضراء، وهي تتوشح بالعلم وتحمل القرآن على رأسها وتقتل الأصوات الطائفية بـ”لا إله إلا الله”، فيتبعها الشباب بلا تردد، إلا مؤشر على ولادة العراق الجميل وانتصاره على قبح أحقاد هادي العامري.

كاتبة عراقية

9