معركة الكمان والعمامة

عازفة الكمان جويل سعادة نجحت في ما فشل غيرها في استدراج الجماهير إلى الطاعة العمياء. ونجح الجمال الموسيقي في إضفاء قدسية روحية.
الثلاثاء 2019/08/06
كمان واحد يحير وطنا

لا يزال الجدل محتدما على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق بشأن معزوفة النشيد الوطني التي أدتها على الكمان الفنانة اللبنانية جويل سعادة لمناسبة افتتاح بطولة غربي آسيا لكرة القدم في مدينة كربلاء.

اتخذ هذا الجدل أبعادا أخرى في قضية مستقبل العراق المدني أمام سلطة العمائم التي استفزها كمان واحد وأوتار قليلة تغني للعراق نشيده الوطني المعروف لمناسبة رياضية.. فيما كان رجال الدين وبعض البرلمانيين والسياسيين يقاومون هذا (الحدث الخطير) الذي أخلّ بالمكان وعبث بقدسيته، وتسابقوا لنشر فتاوى كثيرة لمحاربته ومحاسبة وزارة الشباب واللجنة الأولمبية ومن له علاقة بهذا الأمر، بطريقة فيها من الشذوذ أكثر ما فيها من واقعية الحدث البسيط.. فهل هذه هي الحقيقة؟

لم يختلف المغردون في كل مواقع التواصل الاجتماعي، بمن فيهم أهل كربلاء، على أن الحدث لا يستوجب كل هذه الانفعالات الرسمية وشبه الرسمية والدينية المتزمتة وهذه الإدانات التي اتخذت شعارات مذهبية تبتغي إبراز الحدث الموسيقي كأنه لعنة كافرة حلّت بالمدينة المقدسة، ولهذا كان السؤال الذي أخذ يتكرر: إلى أين يمضي العراق وما هو مستقبله؟ وهو السؤال الذي يخافه مجتمع وجد نفسه في حاضنة ليست له ولا قدرة له على الاتصال الدائم بها. قوامها كهنة وعمائم وفتاوى وتجاوزات على الحريات العامة وإغلاق منافذ الجمال على المستويات كلها وأمية طاغية تستشري في المدينة بشكل لا معقول.

وبرز السؤال بشكل واضح في كل منافذ وقنوات التواصل الاجتماعي بطريقة مباشرة جدا في إدانة هذه (الإدانة) المفتعلة من قبل معممين وبرلمانيين وساسة يتسترون خلف قناع الدين والمذهب وقدسية المكان الكربلائي، كما لو أن الموسيقى انتهكت حرمة المكان وأشاعت فيه محمولات عاطفية ليس لها مبرر سوى تجييش الشباب لما هو أسوأ من ذلك كما يعتقدون!

صوّروا العازفة اللبنانية جويل سعادة كأنها خرقت المحظور؛ والمحظور وهمٌ يحاولون إلباسه لمجتمع محلي كامل وجد أن طريق الحياة المدنية والعلمانية هو الطريق الأسهل والأنجع في سباق المستقبل العلمي والتقني والجمالي بشكل عام، ولم تكن مدينة كربلاء المقدسة بهذا الإهاب الذي وصفوه في خطبهم الرنانة، فهي مدينة طبيعية وتعيش حياتها بشكل منتظم بالرغم من قلة الخدمات وتهرؤ البنية التحتية والتجاوز على ممتلكاتها بدعوى المذهب وقدسية المكان وما إلى ذلك من تخريجات ملّ منها الناس وعرفوا أنّ العمامة تسوّق هذه البضاعة الوحيدة منذ خمس عشرة سنة من دون أن يكون للجماهير فيها الحدّ الأدنى من النصيب. أو لها دور في تزكية ما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان وامتهانه بدعوى أهل البيت وحرمة المدينة. يقول الغجر في أمثالهم: ابقَ حيث أنت فإنّ الأشرار لا يغنون.

ومثل الغجر العشرات من الفلاسفة والأدباء والفنانين والشعراء والجماليين يرون في الموسيقى والغناء زادا كبيرا وحاضنة روحية لا غنى للإنسان عنها في كل مراحل حياته، إذ يرى نيتشة أن مهمة الموسيقى هي قيادة الأفكار للارتقاء، وهي الفضيلة والقانون الأخلاقي بالنسبة لأفلاطون، وغذاء الحب بالنسبة لشكسبير، وقلب الطبيعة لتوماس كارليل، وهي الإلهام لبتهوفن واختزال العاطفة لتولستوي، ويرى برناردشو أن الجحيم ممتلئة بغير الموسيقيين، والموسيقى هي روح اللغة بالنسبة لماكس هيندل، وبونو يتوقع أن الموسيقى يمكن أن تغير العالم لأنها يمكن أن تغير الناس.

وللحكيم لاوتزه توصيف دقيق عندما قال إن الموسيقى تأتي بالمرتبة الثانية بعد الصمت عندما يتعلق الأمر بما لا يوصف. وكثيرون يؤكدون على أن الموسيقى تُذهب البؤس والشقاء والعصبية والآلام. لذلك فالطب الهندي القديم يجعل من الموسيقى خافضا للآلام ومثله الطب الإغريقي والروماني الذي يعالج مرضاه بالموسيقى.

وفي التاريخ السومري القديم كانت قيثارة عشتار هي الصوت القوي المقدس بالنسبة للكهنة ورجال الدين في المعابد والزقورات. ولنا في التاريخ الإسلامي القديم ما يشير إلى اهتمام العرب بالموسيقى في مختلف العصور الإسلامية المتعاقبة، ويكفي أن الفارابي ترك لنا (كتاب الموسيقى الكبير) وهو من أهم خمسة مؤلفات في القرن العاشر الميلادي حتى الخامس عشر منه.

وما مرّت فترة عربية إسلامية قديمة إلا وكانت الموسيقى والغناء يتصدران المجالس الخاصة والعامة، وبغداد العباسية أقرب مثل إلى ذلك الانفتاح الجمالي الكبير الذي تشهد له كتب التاريخ المختلفة. ومثلها دمشق والقاهرة يوم كانت الحياة أكثر ترافة وجمالا حتى بوجود المعممين وفتاوى الجهل التي لاحقتنا حتى هذا اليوم. لذلك نجد أن الموسيقى أحد أركان حضارات الشعوب.

جويل سعادة عاشت لحظة الكمان بروح إيجابية رائعة في ملعب كروي اتسع لعشرات الآلاف وفي مدينة (محظورة) من الفرح والسعادة، لكنها كانت تتماهى مع روح الفرح التي تمثلتها، وحاولت بكل طاقاتها الإيجابية أن توصل هذه النافذة إلى أوسع مدى في المدينة التي يغلب عليها طابع القدسية المفترضة والمفتعلة أيضا، ونجزم أن الجمهور الكربلائي المحتشد تضامن مع الأوتار والأنغام والصدى الموسيقي الذي عمّ أرجاء الملعب، لهذا كان يخيفهم أن يشعر الناس بالسعادة والحرية وأن يتوسع فيهم الجمال إلى هذا الحد، إذ أنه من المفروض أن يبقى الجميع في صومعة تلك القدسية بالثياب السود والمشاعر التاريخية الحزينة لكربلاء، وكأن أهل هذه المدينة كُتب عليهم أن يعيشوا في هذا الخانق إلى الأبد من دون أن يكونوا فاعلين في المجتمع وفي الحياة.

صوّروا العازفة اللبنانية جويل سعادة كأنها خرقت المحظور؛ والمحظور وهمٌ يحاولون إلباسه لمجتمع محلي كامل وجد أن طريق الحياة المدنية والعلمانية هو الطريق الأسهل والأنجع في سباق المستقبل العلمي والتقني والجمالي بشكل عام

العازفة اللبنانية الماهرة لم تكن وليدة اللحظة الكربلائية، بل تجاوزتها إلى الأفق السامي من النغم وهي تعزف النشيد الوطني، وكانت وليدة ملعب كروي كبير وأمام جمهور حاولت أن تخرجه من العتمة النفسية إلى الضوء الروحي المنير. فخبرتها الجمالية وروحها الرياضية التي كانت تتحرك معها وهي تجوب الملعب بأناقتها ورشاقتها وعزفها الباهر واستجابة الجمهور الذكي لهذه المعطيات السريعة، هي التي أخافت المعممين الكربلائيين ومن معهم في البلد وخارجها من الذين يُذكون نيران الفتنة.

وأيقظت فيهم ساعة الصفر السوداء التي يخشونها، لهذا تمترسوا بقدسية المدينة ودعاوى الطائفية التي جمعوها على عجالة؛ فالموسيقى حرام. والعازفة حرام. والملعب حرام. وكرة القدم حرام. والحرية حرام. والجمال حرام. في مسارَعة غير معقولة لتبديد الفرح الكربلائي وانتهاك مشاعر الناس، وإشاعة الشكوك والمخاوف بين الجماهير. وهذا ما جعل الناس تتساءل على مدار الأيام الماضية: ما هو مصير بلد رجالُ دينه تستفزهم الموسيقى الوطنية.

وتثيرهم فنانة كمان لباسها معقول وأنيق، ويخيفهم كمانٌ أعزل سوى من أوتاره الصادحة التي جسدت لحظات الأمل والفرح البسيطة. نجحت جويل في ما فشل غيرها في استدراج الجماهير إلى الطاعة العمياء.

ونجح الجمال الموسيقي وهو يضفي قدسية روحية تفتقدها المدينة منذ عصور طويلة، ونجحت الموسيقى وهي تُظهر مفاتن الحياة ولو للحظات، لكنها بقيت مشحونة بالأمل. أمل أن يكون النور ساطعا على البلد كلها. أما من يريد أن يتعقب هذه (الجريمة الموسيقية) في المحاكم والقضاء، ويطالب بغلق الملعب فهو أمر شاذ جدا بعيد عن المنطق والأخلاق.

15