معركة الموصل تدخل "مزاد" المواعيد المتضاربة

ظاهرة تضارب تقديرات كبار صناع القرار في الولايات المتحدة من ساسة ومشرّعين وعسكريين، بشأن تحديد أفق زمني للقضاء على تنظيم داعش، تعود إلى الظهور مع تصاعد الحديث عن قرب موعد إطلاق معركة فاصلة ضدّ التنظيم في محافظة نينوى العراقية، مؤكّدة خضوع الحرب على داعش لاعتبارات جيواستراتيجية وحسابات سياسية تتجاوز موازين القوة ومعطيات الميدان.
الجمعة 2016/02/12
سادة اللعبة

بغداد - عادت “لعبة المواعيد المتناقضة”، التي كانت قد رافقت بدايات الحرب ضد تنظيم داعش في العراق لتطفو على السطح مجدّدا بالتزامن مع تواتر الحديث عن قرب انطلاق معركة استعادة مدينة الموصل مركز محافظة نينوى التي ستكون مصيرية على اعتبار المدينة تمثّل آخر معقل مهمّ للتنظيم على الأراضي العراقية.

وفي تناقض مع ما كان أعلنه، الأربعاء، مدير المخابرات العسكرية الأميركية الجنرال فنسنت ستيوارت بشأن استبعاده تنفيذ عملية عسكرية بقيادة العراق لاستعادة الموصل خلال السنة الحالية 2016، أعلنت قيادة عمليات نينوى التابعة للجيش العراقي، الخميس، عن وصول وحدات عسكرية تابعة للجيش إلى قضاء مخمور جنوبي مدينة الموصل المعقل الرئيس لتنظيم داعش، استعدادا لعملية تحرير المدينة التي ستجري بالتنسيق مع قوات البيشمركة والتحالف الدولي.

وقال قائد عمليات نينوى اللواء نجم الجبوري في مؤتمر صحافي عقده بمقر قيادة العمليات في قضاء مخمور إن “قطعات عسكرية وآليات وأسلحة تابعة للجيش العراقي وصلت إلى القضاء استعدادا للبدء بعملية تحرير مدينة الموصل”.

وأضاف الجبوري أن “خطط تحرير الموصل تسير وفق ما هو مرسوم من قبل القائد العام للقوات المسلحة ووزارة الدفاع والقادة الأمنيين”، مبينا أن “تحرك القطعات العسكرية تم بتوجيهات من رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي”. ولا يقتصر التناقض على الطرفين الأميركي والعراقي، بل يشمل أيضا أجنحة مختلفة في الداخل الأميركي.

وخالف مبعوث الرئيس باراك أوباما إلى التحالف الدولي بريت ماغيرك رؤية الجنرال ستيوارت، جازما بأن عملية تحرير مدينة الموصل “بدأت بالفعل”، مبينا أن التحالف الدولي يجري مشاورات للتنسيق مع قوات البيشمركة وقوات من العشائر السنية للإعداد الجيد للهجوم على داعش في الموصل.

ولا يعدّ تضارب المواعيد أمرا طارئا على موضوع مواجهة تنظيم داعش. فحين غزا التنظيم أجزاء كبيرة من العراق أواسط سنة 2014، تضاربت تصريحات الساسة والعسكريين الأميركيين بشأن المدّة التي سيستغرقها القضاء على التنظيم حتى ذهب بعضهم إلى تقديرها بسبع سنوات على الأقل، فيما ذهب البعض الآخر إلى الحديث عن عشريات من الزمن.

لعبة المواعيد تبين أن واشنطن تدير الحرب وفق مصالحها وحساباتها الجيواستراتيجية أكثر مما تنخرط عمليا في خوضها

ولا يميل محلّلون سياسيون إلى اعتبار ذلك التضارب ضمن اختلافات في الرأي أو أخطاء في التقدير، بقدر ما هو انعكاس لخضوع ملف تنظيم داعش في المنطقة لحسابات سياسية ومآرب جيوستراتيجية أميركية.

ويقول أصحاب هذا الرأي إن الولايات المتحدة تدير الحرب ضدّ داعش في المنطقة وفق مصالحها وصراعاتها، أكثر مما هي منخرطة في خوضها.

ويستدلّون على ذلك بأن الجدّية الكبيرة التي أظهرتها الولايات المتحدة في مساعدة القوات العراقية في حرب استعادة مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار كانت على ارتباط مباشر بظهور بوادر عن إمكانية انخراط روسيا في الحرب على داعش بالعراق، ومبادرتها بإنشاء مركز استخباراتي في بغداد بالاشتراك مع سوريا والعراق وإيران.

ومنذ ذلك الحين تمكّنت الولايات المتحدة من الإمساك بزمام الحرب في العراق ونجحت في استبعاد ميليشيات الحشد الشعبي التي تعتبرها “جيشا رديفا” تابعا لإيران.

ولا يستبعد أن تكون الولايات المتحدة غير معنية بتسريع وتيرة الحرب على داعش واستكمال طرده من محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل وتفضل التريث وانتظار ما يسفر عنه الصراع في سوريا المجاورة، وذلك حفاظا على دورها، الذي من المفترض -نظريا- أن ينتهي، أو تقلّ أهميته في حال تم القضاء على داعش.

وفيما كانت الحكومة العراقية تعلن عن إرسال لواء عسكري -من 3 إلى 5 آلاف فرد- إلى قضاء مخمور استعدادا لإطلاق معركة نينوى، فاجأ مدير المخابرات العسكرية الأميركية الجنرال فنسنت ستيوارت المراقبين باستبعاده تنفيذ عملية عسكرية بقيادة العراق لاستعادة الموصل خلال السنة الحالية 2016.

وجاء كلام الجنرال الأميركي متناقضا جذريا مع ما كان قد أعلنه وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في وقت سابق من أنّ “بداية العمليات العسكرية في نينوى لن تتعدى النصف الأول من هذه السنة، ونهايتها أيضا ستكون سريعة”.

وأكّد ذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي بإعلانه في بيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، عن البدء بإرسال قوات قتالية قرب الموصل شمالي البلاد “استعدادا لبدء عمليات استعادة السيطرة عليها من مسلحي تنظيم داعش”، مؤيدا بذلك ما كان ورد على لسان العميد يحيى رسول، المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة التابعة لوزارة الدفاع العراقية، بشأن مواصلة الاستعدادات العسكرية، ضمن قيادة عمليات نينوى بقاطع مخمور، تمهيدا لبدء العملية العسكرية لاستعادة الموصل من قبضة مسلحي داعش.

3