معركة الموصل تنذر بمحرقة للمدنيين

مأساة أهالي نينوى العراقية في مواجهة الحرب الدامية التي تدور في مناطقهم تصبح بمثابة معضلة حين يضيق هامش الاختيار أمامهم وينحصر في البقاء بأحيائهم عرضة لنيران القتال، أو مغادرتها ليصبحوا فريسة إما لمقاتلي داعش وفخاخهم المنصوبة على الطرق والمعابر، وإما للميليشيات المرابطة في الخطوط الخلفية والمتحفزة للانتقام الطائفي.
السبت 2016/10/22
بداية الرحلة نحو المجهول

القيارة (العراق) - بدأ حجم المعاناة والمخاطر المتربصة بالمدنيين، يتكشف تباعا مع تقدم معركة استعادة مدينة الموصل مركز محافظة نينوى العراقية من سيطرة تنظيم داعش، كاشفا في الآن نفسه عن ضعف، وحتى انعدام، الاستعدادات الحكومية لمواجهة كارثة إنسانية كبيرة بدا للجميع أنها واقعة لا محالة.

وبالإضافة إلى ذلك يحذّر خبراء الشؤون العسكرية من أنّ الخطط الموضوعة لاستعادة المدينة لم تراع بشكل كاف عامل تأمين المدنيين، والتحسّب لمختلف السيناريوهات وأكثرها بداهة اتخاذهم دروعا بشرية من قبل تنظيم داعش.

وبدأ هذا السيناريو يتحقّق بشكل عملي خلال المعارك الدائرة في محيط الموصل، حيث قالت متحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الجمعة إن مقاتلي التنظيم اقتادوا 550 عائلة من قرى حول مدينة الموصل ويحتجزونها قرب مواقع لهم في المدينة لاستخدامها دروعا بشرية.

كما أشارت المتحدثة رافينا شمدساني إلى معلومات موثقة بشأن إقدام التنظيم على قتل 40 مدنيا في قرية واحدة من القرى التي انسحب منها.

ولمأساة أهالي الموصل وجه آخر يرقى بها إلى مستوى المعضلة، ويتمثّل في أنّ التمكّن من مغادرة مواطن القتال لن يكون ضمانة للنجاة مع وجود ميليشيات طائفية في الصفوف الخلفية متحفّزة لاعتقال كلّ من تشك في أنّ له صلة ما بداعش على غرار ما مارسته الميليشيات ذاتها في معركة الفلوجة بمحافظة الأنبار، حيث لا يزال العشرات من أهالي المدينة في عداد المفقودين هم البعض من المئات الذين احتجزوا خارج نطاق القانون وتعرضوا لصنوف من الانتقام على خلفية طائفية.

ويخوض أهالي الموصل والقرى والبلدات المحيطة بها في الأيام الأخيرة معركة حياة على جبهتين، كلتاهما لا تقل صعوبة عن الأخرى؛ إحداهما مع قوات الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية والتحالف الدولي، والثانية مع تنظيم داعش، فيما يطاردهم شبح ميليشيات الحشد الشعبي الموجودة على خط المواجهة.

أفشين شاهي: تكلفة استعادة الموصل ستكون باهظة من حيث الخسائر في صفوف المدنيين

وبينما تشتد الاشتباكات بين القوات العراقية وعناصر تنظيم داعش، تتواصل المخاوف الأممية من نزوح نحو 1,5 مليون مدني من سكان الموصل.

ونقلت وكالة الأناضول عن أندريس كريج، أستاذ الدراسات الدفاعية في جامعة كينجز في لندن قوله إن أهالي الموصل يواجهون كارثة إنسانية، مضيفا “لو أخذنا في الاعتبار أن داعش سيستخدم المدنيين في الموصل دروعا بشرية لحمايته، فإن بقية الأطراف تواجه مهمة مستحيلة في إبقاء المدنيين على قيد الحياة”.

وتوقع كريج وفق خبرته في دراسة أنظمة الدفاع أن يستخدم التحالف خلال الأيام الأولى أسلحة ذات تأثير مدمر مثل المدفعية والقوة الجوية، وعندما تسقط هذه القذائف على مناطق المدنيين حيث يختبئ داعش ستقع الكارثة.

وعن خيارات سكان الموصل، يعلق الخبير الدولي قائلا “إما أن يتم قصفهم أثناء الهجوم على داعش وإما أن يحاولوا الفرار وسيتعرضون حينها للإيذاء من التنظيم نفسه كإطلاق النار عليهم أو الموت بسبب الألغام”.

وقال يزيد الصايغ الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت إنّ هناك مخاطر واضحة يتعرض لها المدنيون أثناء معركة استعادة الموصل، فهم الآن واقعون بين فكي كماشة فعليا، حتى أن النزوح الجماعي خلال القتال يشكل مشكلة ضخمة أيضا، مشيرا إلى أنه كان من الضروري رسم سيناريو ما بعد استعادة الموصل قبل دخولها. ويرى الصايغ أن عدم مناقشة المشكلات الكبرى للعراق، والتي أدت إلى ظهور داعش وانهيار الجيش العراقي عام 2014، سبب رئيسي في عدم إقدام بقية الأطراف على رسم سيناريو ما بعد استعادة الموصل وغيرها من المدن.

وتطرق الباحث لسيناريو ما بعد معركة الموصل قائلا: النصر في المعركة سوف يقود العراق إلى أزمة أكبر بعيدا عن داعش، وهي أن الحكومة العراقية وبقية الأحزاب لن تستطيعا ممارسة المزيد من الاختباء وراء قتال التنظيم، وهي الذريعة التي كانتا تستغلانها لتجنب مشكلات هائلة في مقدمتها المصالحة السياسية وإعادة الاندماج بالإضافة إلى فساد أجهزة الدولة وفشلها في إدارة الشأن العام وتقديم الخدمات الأساسية للسكان.

ومن جهته توقّع أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برادفورد البريطانية أفشين شاهي أن تكون تكلفة استعادة الموصل من براثن داعش باهظة جدا من حيث الخسائر في صفوف المدنيين، وسوف يدفع الأهالي الثمن الأكبر، مشيرا إلى أنّ عناصر داعش عددهم قليل، ويعرفون أنه لن تكون لهم الغلبة، لذا سيعتبرون أن بقاء المدنيين في الموصل ورقة رابحة لهم، مستندين إلى تجارب سابقة لهم في استخدام المدنيين دروعا بشرية.

وتابع “نظرا للأهمية الاستراتيجية للموصل، سيستخدم داعش السكان المدنيين لمصلحته بأي طريقة كانت وهذا سيكون أمرا مدمرا”.

ويتوقّع خبراء الشؤون العسكرية أن يتمسّك تنظيم داعش بالموصل إلى الرمق الأخير، وأن يخوض المعركة باعتبارها قضية حياة أو موت، أي أن المعركة ستكون طويلة، ما يعني بالنتيجة طول معاناة الأهالي.

وقالت الخبيرة الدولية بورجو أوزتشليك الأستاذة بقسم السياسة في جامعة كامبريدج إن القوات العراقية وقوات البيشمركة سوف تهزم داعش في الموصل، لكن السؤال يتعلق بالمدى الزمني الذي ستستغرقه المعركة وحجم الأزمة الإنسانية الذي ستخلفه، وبمسارات داعش بعدها.

3