معركة الموصل.. فتح الطريق نحو الرقة وهدم الدولة الإسلامية

تدق، منذ مطلع العام، طبول المعركة على أبواب مدينة الموصل، بهدف استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية، لكن العام يشارف على الانتهاء دون أن يتحقق تقدم واضح في هذه المعركة لصالح التحالف الدولي والقوات العراقية، وذلك بسبب التعقيدات المحيطة بهذه المعركة وتعدّد راياتها، ما يعقد الحسم العسكري.
الأربعاء 2016/10/12
تحضيرات لا تبشر بخير

واشنطن - ربما كان استيعاب دونالد ترامب للسياسة الدولية مشوّشا أحيانا لكنه لاحظ مع ذلك أن هناك قتالا ينتظر الموصل؛ فالزعماء الأميركيون والعراقيون يشيرون منذ أسابيع إلى أن هناك حملة كبرى تدنو من ثاني أكبر مدن العراق وأكبر مركز حضري على الإطلاق خاضع لسيطرة الدولة الإسلامية.

وفي مناظرته الرئاسية مع هيلاري كلينتون، الأحد، تساءل ترامب عن سبب وضوح مسؤولي الولايات المتحدة ونظرائهم العراقيين الشديد في تحذير الجماعة الإسلامية مسبقا بأنه يجري الإعداد لهجوم، وقال “لم لا يفعلون ذلك بهدوء؟.. لماذا لا يجعلونه هجوما مباغتا؟”.

وفي الواقع، فقد سبق أن لجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون إلى الحيلة عند الإشارة إلى الموقع الذي سيستهدفونه في هجومهم التالي. ففي وقت سابق من هذا العام أشاروا بقوة إلى هجوم وشيك على الرقة عاصمة داعش في سوريا.

واتخذت الجماعة احتياطاتها وفقا لذلك لتجد أن الهدف الحقيقي هو منبج التي سقطت في النهاية بأيدي قوات مدعومة من الولايات المتحدة يشكل الأكراد معظم قوامها في أغسطس بعد قتال شرس دام ثلاثة أشهر.

ويحتمل أن شيئا كهذا يعتمل الآن وإن كانت حملة الموصل ستحدث إن عاجلا أم آجلا. والإجهاز على تنظيم الدولة الإسلامية هناك سيوجه ضربة قاصمة لشرعيته وسيلقي بالشك على فكرة أن ما يسمّيه بالخلافة يحظى برعاية إلهية. وإعادة تأكيد السيطرة على المدينة التي يغلب عليها السنّة ولها نفس الأهمية بالنسبة إلى الحكومة العراقية متعددة الأعراق، وإن كان يهيمن عليها الشيعة.

ويكاد يكون من المستحيل التحضير لمثل هذا الهجوم الكبير في الخفاء، فالتلميح يظهر بأن المعركة القادمة هي جزء محوري في الاستراتيجية؛ لأن الجمهور المستهدف لا يقتصر على قادة تنظيم الدولة الإسلامية الذين وردت بالفعل أنباء عن فرار بعضهم، بل إنه ما يقدر بمليون نسمة أو نحو ذلك من الذين لا يزالون داخل المدينة، وقد يكون سلوكهم بنفس أهمية سلوك المحاربين في رسم المعركة النهائية.

وعادة ما تكره الحكومات والجيوش قتال المدن، فالمدافع يستفيد دوما من القتال وسط الشوارع الضيّقة والمدنيين الوجلين. ومثل هذه الحملات كما شهدنا في حلب بسوريا يمكن أن تتحول إلى حمامات دم طويلة وغير حاسمة. وحين وضع تنظيم داعش أيديه على الموصل أول مرة في يونيو 2014، كان مقاتلوه يتحلّون بالاستعداد الشديد.

ولم يبد الجنود العراقيون، الذين كانوا يفتقرون للأسلحة الثقيلة المضادة للدبابات، دفاعا يذكر في مواجهة العشرات من قذائف المدرعات الثقيلة التي أبادت نقطة تفتيش تلو الأخرى. وأرسلت الجماعة تسجيلات دعائية تصوّر ضرب أعناق رهائن إلى هواتف الجنود ورجال الميليشيات الذين اختفى الكثير منهم.

تحذيرات من كارثة إنسانية في الموصل
جنيف - وجّه مركز جنيف الدولي للعدالة مذكّرة إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان يُعرب من خلالها عن قلقه الحاد إزاء العمليات العسكرية المقرّر تنفيذها في مدينة الموصل خلال وقت قريب، من قبل السلطات العراقية وقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية.

وحذر مركز جنيف من وقوع كارثة إنسانية.

وبيّن أنه من المرجح أن يكون حجم الدمار والخسائر البشرية أكثر كارثية من تلك التي حدثت خلال العمليات السابقة كالتي تمت في الرمادي وتكريت وآمرلي والفلوجة، وذلك نظرا للكثافة السكانية الكبيرة لهذه المدينة.

ويعتقد المركز بأن اجتياح الموصل سيعني مسح مدينة عراقية أخرى من على الخارطة.

وذكر المركز أنه خلال معركة استعادة الفلوجة، وعلى الرغم من وعود رئيس الوزراء بعدم السماح للميليشيات الطائفية بدخول المدينة، إلا أن هذه الأخيرة استباحت المدينة وحوّلت كل شيء إلى دمار. في حين تعرّض المدنيون إلى أبشع صنوف الانتهاكات ضد حقوق الإنسان، بما في ذلك الإعدامات الجماعية والتعذيب والإخفاء القسري على أساس طائفي.

وفي حالة الموصل، فإنه من الواضح أن هذه الجماعات سوف تشارك في هذه المعركة كما فعلت في المعارك السابقة، وعلى الأغلب فإنها سترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بمختلف الوسائل وضد عنصر معيّن من المجتمع العراقي، وهو العرب السنة.

وأشار خبراء مركز جنيف إلى أن سياسة مهاجمة المناطق ذات الكثافة السكانية العالية بالقصف العشوائي، أثبتت عدم فاعليتها في هزيمة مقاتلي داعش الذين يتميزون بديناميكية عالية.

وفي المقابل تسبّبت في قتل وإصابة وتشريد المدنيين الأبرياء. وجدّدوا نداءاتهم لمنع الموصل من مجابهة نفس المصير الكارثي الذي واجهته المدن العراقية الأخرى، بل والسعي لوضع استراتيجية جديدة لمحاربة الإرهاب بما يتوافق وقانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

من الواضح أن لجوء الحكومة العراقية والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وغيرهما من اللاعبين المتعددين مثل الأكراد العراقيين إلى مثل هذه التكتيكات لاستعادة المدينة أمر غير وارد، إضافة إلى اللجوء كذلك إلى ذلك النوع من القوة العشوائية التي نشرها الرئيس السوري بشار الأسد وحلفاؤه الروس في سوريا. لكن معركة الموصل ستكون من نواح كثيرة ساحة لاختبار شكل من المعارك يأمل الحلفاء في أن يكون مختلفا.

معركة مختلفة

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعد العمل ضد تنظيم داعش في العراق أيسر في جوانب عديدة منه بسوريا، فتحالفات واشنطن واضحة وهي تعلم أنها تريد استعادة البلاد من أجل حكومة بغداد. وذلك يجعل الموصل هدفا أسهل من الرقة عاصمة داعش الأصغر ولو من الناحية الدبلوماسية. فالرقة إن هي سقطت قد يستعيدها الأسد، وإن نفذ المهمة المقاتلون السوريون الأكراد الذين تدعمهم الولايات المتحدة، فقد يعمق ذلك الخلافات القائمة مع تركيا.

ومع ذلك فإنه من غير الواضح إن كانت حملة الموصل ستنجح، لأن استعادة المدينة من دون حدوث كارثة إنسانية ومن غير ترسيخ الانقسامات العرقية والطائفية القائمة، ستكون بمثابة تحد هائل سيبذل تنظيم الدولة الإسلامية قصارى جهده لجعله أشد صعوبة.

وقوات الحكومة العراقية، بحسب ما يقول الخبراء، تحسنت تحسنا كبيرا خلال عامين من الحرب مع داعش وبخاصة في معارك الشوارع الصعبة التي تكون المواجهة فيها عن قرب. وتخوض قوات العمليات الخاصة من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أجنبية أخرى معارك في العراق وفي أجواء مشابهة منذ أكثر من عقد، بل ويقاتل الأكراد العراقيون منذ فترة أطول.

ويجري الإعداد لمعركة الموصل منذ عامين تقريبا، وفي حالات كثيرة تتمثل الخطة في تكليف وحدات من خلفيات عرقية مختلفة بالعمل في أكثر أحياء المدينة شبها بها. وذلك يعني أن من سيقودون الهجوم على المناطق التي يغلب عليها السنة -والتي تشكل معظم الموصل- سيكونون من خلفيات مماثلة بدرجة كبيرة وكذلك الحال بالنسبة إلى المكلفين بالعمل في المناطق ذات الأقلية الكردية أو المناطق الشيعية أو غيرها من المناطق العراقية.

وهذا يمثل اختلافا كبيرا عن المعارك السابقة في الحرب وبالذات عند استعادة تكريت مسقط رأس الرئيس الراحل صدام حسين عام 2015. فتلك المعركة كانت في طليعتها وحدات ميليشيا شيعية وجرت بالتنسيق الشديد مع الحرس الثوري الإيراني. وفي الأيام والأسابيع التالية كانت أنباء عن الأعمال الوحشية التي ارتكبت ضد السكان وغالبيتهم من السنة عاملا في زيادة التأييد لداعش في غيرها من المناطق السنية.

مهما كان الثمن

يحتاج جميع الأطراف لإبداء مرونة لإنجاح خطة معركة الموصل. فتكتيكات تنظيم الدولة الإسلامية قد تتضمن هدم مبان بأكملها في المدينة عند دخول القوات أو ربما استخدام الأسلحة الكيمائية المحدودة التي يعتقد أنها بحوزة داعش. ويفتقر الكثير من القوات العراقية للتدريب أو العتاد الكافي للتعامل مع مثل هذه الهجمات وإن كان هذا في سبيله للتغيير.

وبذل تنظيم الدولة الإسلامية كل ما بوسعه للسيطرة على حرب المعلومات داخل المدينة. وانقطعت اتصالات الإنترنت بدرجة كبيرة وإن ظلت هناك مجموعة من الخيارات لمن هم داخلها للإبقاء على التواصل مع العالم الخارجي. وكما حدث في بقاع أخرى من سوريا والعراق جرى استهداف صحافيين محليين ومراقبين لحقوق الإنسان وأعدم بعضهم وروع آخرون لإسكات أصواتهم. وأسقط التحالف المدعوم من الولايات المتحدة منشورات وأذاع نشرات، لكن من الصعب تحديد مدى جدواها.

وفي حلب يشتبه الكثير من المراقبين في أن القوات السورية والروسية تحاول عن عمد دفع السكان المحليين للفرار من خلال استهداف المستشفيات ومواقع تسليم المعونات. ويبدو ذلك غير وارد في الموصل، لكن الاستراتيجية العامة ستظل إقناع السكان بالهرب، بالرغم مما ينطوي عليه ذلك من مخاطر، بحيث تمكن مساعدتهم من خلال العملية الإنسانية الضخمة الجاري الإعداد لها خارج المدينة.

لكن الخطر الحقيقي يتمثل في انهيار تلك الخطط تدريجيا. فكلما طالت المعركة زاد احتمال أن تجعل الحكومة العراقية الموقف الصعب بالفعل أكثر تعقيدا من خلال الابتعاد عن واشنطن والتوجه إلى أي حلفاء أو قوى أخرى تجدها أمامها. وقد تكون هذه القوى إيرانية وجماعات شيعية مرتبطة بها أو ربما حتى تركيا التي لها الآن قوات محدودة في العراق والتي تنزلق أكثر في سوريا.

وإن كان للتاريخ أن يعطي مؤشرا، فقد يرد تنظيم داعش أيضا على حملة الموصل بهجمات إرهابية في أماكن أخرى سواء داخل المنطقة أو خارجها. ونظرا لهذه المخاطر، لن يكون مستغربا تأجيل الحملة مع ترك المتشددين يديرون المدينة على أمل أن تفقد الجماعة سيطرتها على الأمور تدريجيا، لكن ذلك لا يبدو مرجّحا، فالحكومة العراقية بالذات بحاجة إلى إثبات نفسها أيضا وذلك يعني المواصلة، مهما كان الثمن.

* كاتب مقالات في رويترز متخصص في الشؤون العالمية، وهو عضو منذ العام 2016 في الجيش الاحتياطي البريطاني وفي حزب العمال بالمملكة المتحدة.

6