معركة الموصل في الذكرى الثالثة لسقوطها

السبت 2017/06/03

تحل بعد أيام الذكرى السنوية الثالثة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الموصل في وقت وصلت فيه معركة استعادة المدينة لمرحلتها الأخيرة، أو لأيامها الأخيرة بحسب الحكومة العراقية. إذ وعدت حكومة حيدر العبادي بأن يتم طرد تنظيم داعش من المدينة قبل حلول ذكرى استيلائه عليها في العاشر من شهر يونيو الجاري.

ورغم اندحار التنظيم من معظم أجزاء المدينة، لكنه لا يزال يتواجد في قسم من شطرها الغربي يتضمن المدينة القديمة التي تبدو أصعب أجزاء العملية العسكرية.

رغم كل الدعم الذي حظيت به الحكومة العراقية، ورغم تعدد الأطراف المشاركة في القتال، طالت عملية استعادة الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق وأهم معقل لداعش، حتى دخلت شهرها التاسع في هذه الأيام.

يحدث ذلك رغم تكثيف التحالف الدولي وبشكل خاص القوات الأميركية مساعدته للجيش العراقي، ورغم تكثيف المساعدة الإيرانية عبر ميليشيات الحشد الشعبي.

كما لعبت قوات البيشمركة الكردية، التابعة لإقليم كردستان العراق الذي يتمتع باستقلال ذاتي، دورا هاما وخصوصا في الأشهر الأولى من العملية العسكرية.

يخالف المشهد الحالي الروايات التي صدرت بصورة مستمرة عن القوات العراقية والتي كانت تروي تفاصيل الاقتحامات العسكرية للعشرات من القرى بتغطية من الطائرات الحربية الأميركية والتي كانت تنتهي، بحسب تلك الروايات، بتدمير مركبات داعش وتجمعات مقاتليه ومقتل مئة من عناصره في كل مرة مقابل خسائر تكاد لا تذكر عند الجانب المهاجم.

الحقيقة أن معركة استعادة الموصل كانت معقدة أكثر بكثير مما تظهره تلك الروايات. لم تظهر التعقيدات مع بداية المعركة فحسب، بل مع بدء التحضير لها قبل أكثر من عام على انطلاقها. تخللت ذلك مناوشات وخلافات بين أطراف متعددة شملت الولايات المتحدة ودولا إقليمية فضلا عن الحكومة العراقية والميليشيات المشاركة في الهجوم على الموصل.

رفضت الحكومة العراقية، تحت تأثير الهيمنة الإيرانية، أي مشاركة أو مساعدة تركية أو سعودية. تركيا كانت تمني نفسها بدور كبير في تلك العملية يحد من تنامي نفوذ الحشد الشعبي وبالتالي من النفوذ الإيراني، ويبقي لها ثقلا عسكريا وسياسيا في المنطقة بما يعرقل المشاريع السياسية الانفصالية الكردية، لكن تركيا فشلت في ترجمة رغبتها إلى مشاركة فعلية وذلك بسبب موازين القوى التي كانت تميل لغير صالحها وخصوصا مع إدارة باراك أوباما التي انتهجت سياسة تحجيم الدور التركي.

كل ذلك أضيف إلى التعقيدات الخاصة بالعملية العسكرية نفسها. أولى تلك التعقيدات برزت بسبب ضعف الجيش العراقي كقوة قتالية تعرضت للتفكك منذ العام 2014 مع سيطرة داعش على مناطق شاسعة من العراق. وبسبب ذلك الضعف، اضطلعت قوات مكافحة الإرهاب وقوات وزارة الداخلية العراقية بالدور الرئيسي في قتال داعش خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى جانب قوات الحشد الشعبي وهو ما عرضها للاستنزاف.

كما ساهم ضعف الجيش العراقي في ازدياد قوة الحشد الشعبي. أذكى ذلك بدوره نار المخاوف الأميركية، إذ بدت إدارة أوباما مترددة إزاء توسيع الانخراط في العراق في ظل ضعف شريكها أي الحكـومة العـراقية والجيش.

على الطرف الآخر كانت قوات الحشد الشعبي والسياسيون التابعون لإيران متوجسين من المشـاركة الأميركية الجوية خـوفا من أن تمهد لنفوذ أميركي دائم في المستقبل.

هكذا تنامت شكوك جميع الأطراف المشاركة من بعضها البعض وهو ما جعل العملية تبدو صعبة قبل أن تتغلب تلك الأطراف على ترددها. قبل الأميركيون بدور رئيسي للحشد الشعبي وإيران، وقبل هؤلاء بدور أميركي متزايد أدركوا لاحقا أنه حاسم إذا كانت هنالك فرصة لاستعادة المدينة. إذ أنهكت المعارك التي تواصلت طيلة الأعوام الثلاثة الماضية القوات المقاتلة وأوقعت خسائر كبيرة واستنزفت صفوفها وصار قتال تنظيم داعش في المدن يفتقد للقوة اللازمة.

رفع ذلك من أهمية المشاركة الأميركية المتمثلة بالضربات الجوية التي تستند إلى معلومات عناصر الجيش الأميركي المتواجدين على الأرض. وتزايدت أعداد الغارات الجوية الأميركية مع استلام دونالد ترامب للسلطة بصورة كبيرة جدا، كما اتسعت رقعة القصف ما أوقع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. وبحسب منظمات حقوق الإنسان، قتلت العملية العسكرية نحو عشرة آلاف مدني عراقي. قبل أسابيع قتلت قوات التحالف أكثر من مئة مدني عراقي بضربة جوية واحدة، ولم تعترف وزارة الدفاع الأميركية بتلك المجزرة إلا مؤخرا.

تبقى مساحة صغيرة من مدينة الموصل تحت سيطرة داعش ولكنها تحتوي على أكثر من مئة ألف مدني.

وفي ظل تزايد الانتقادات للإدارة الأميركية بسبب الضربات الجوية، فمن المتوقع أن تخف حدة تلك الضربات وخصوصا أنها ستستهدف مناطق سكنية لا يمكن معها تجنب وقوع أعداد هائلة من الضحايا المدنيين. تعقيدات المعركة لا تزال مستمرة إذن، والذكرى الثالثة لسقوط الموصل لا يبدو أنها ستشهد استعادتها.

كاتب فلسطيني سوري

9