معركة الموصل لم تنته.. إنها تلد حروبا جديدة!

الخميس 2017/07/20

مثل ما كانت عملية احتلال تنظيم داعش للموصل قبل ثلاث سنوات، مسرحية اشترك في تأليفها وإخراجها نوري المالكي وأبوبكر البغدادي بالتخادم والتواطؤ وتوزيع الأدوار، فإن تطهيرها من احتلال داعش، كان فصل ختام لتلك المسرحية المأساة، التي دمرت مدينة كانت تسمى ذات يوم بـ”أم الربيعين” لنضارتها وأناقتها وعمق حضارتها وجمال أهلها وكثرة خيرها، وأخطر ما في هذا الفصل الكارثي، تحويل المدينة إلى مقابر جماعية ومدافن عائلية وخرائب وأطلال، والتعريض بأبنائها والتهكم على مجتمعها.

وصحيح أن الموصل خربت وتعرضت إلى دمار لم تشهده مدينة في المنطقة على الأقل في التاريخ المعاصر، ولكن الصحيح أيضا، أنها ستنهض من جديد، تداوي جراحها وتستعيد عافيتها. فالحواضر لا تموت ولا تفنى ولا تزول من الخرائط، والموصل حاضرة عربية وإسلامية عبر التاريخ، وبيئة حاضنة للتآخي الاجتماعي والثقافة والتجارة والإبداع، وتكاد تكون الشخصية الموصلية فريدة في التمسك بتراثها الوطني، ومتميزة في التشبث بثوابتها القومية، غير أن الموصل المستقبل لن تكون الموصل أمس أو اليوم، هذه حقيقة ربما لم ينتبه إليها، أهل السلطة والحكم، الذين حولوا تحريرها، إلى مشاهد شماتة بأهلها والتنكيل بشبابها وانتهاك أعراض نسائها، وما عرضته تقارير المنظمات الإنسانية والصحافة الغربية، هو جزء يسير مما حدث لمليون إنسان اضطر إلى البقاء فيها، ومليون آخر تمكن من النزوح عنها، وكلا المليونين عانوا وكابدوا وواجهوا الموت والعوز والتنكيل.

ويخطئ من يعتقد أن الموصل ستعود إلى سابق عهدها، حتى لو ملأت الجيوش الجرارة والميليشيات الغدارة، شوارعها وطرقاتها وأحياءها، ويتوهم من يظن أن الموصليين سينسون أو يصفحون عن الذين تسببوا في احتلالها وتدميرها، والسكون المخيم عليها الآن مؤقت، حيث النفوس ملتاعة والصدمة مروعة، والفجيعة في كل بيت، وهذا يعني أن النار تحت الرماد، إذا لم يتخذ القادة العسكريون العاملون في ميدانها والسلطات الحكومية في بغداد المتفرجة عليها، إجراءات سريعة لوقف الانتهاكات فيها، وتوفير الحد الأدنى من الأمن في ربوعها، واحترام أهاليها، وتعويضهم معنويا وماديا، وإنهاء النغمة التي بدأت تتصاعد مؤخرا “المصالوة دواعش.. وإن لم ينتموا” رغم طوفان الدم الذي بذلوه في مقاومة التنظيم الإرهابي الذي لم يدع وسيلة وضيعة إلا واستخدمها لتركيعهم ولم ينجح كما أثبتت الأحداث.

المؤشرات واضحة والمعطيات ظاهرة، لمن يتمعن في مشهد الموصل اليوم، ويستقرأ مستقبلها غدا، فالمعركة على أرضها وفي محيطها، قد هدأت نسبيا، وسكتت المدافع وخمد الرصاص، ولكن المخاوف لم تختف، من الهدوء الذي يسبق العاصفة التي ربما تكون أقسى من سابقاتها، ما دامت الأحزاب والميليشيات الشيعية تنظر إلى كل موصلي بأنه داعشي، حتى لو كان رجلا معوقا أو موظفا أو معلما لم تساعده ظروفه المالية على ترك وظيفته والنزوح، والكثير منهم صدّقوا المنشورات التي ألقتها طائرات الجيش بالبقاء في بيوتهم وانتظار فتح الممرات الآمنة لخروجهم، فمنهم من قضى نحبه تحت الأنقاض، ومنهم من ألقي القبض عليه واقتيد إلى معسكرات الاعتقال، والتهمة جاهزة (التعاون مع داعش) أما كيف كانت طبيعة أو شكل هذا التعاون الخرافي، فإن التدقيق الأمني بعناصره الطائفية والمتخلفة، هو الذي يحسم الأمر ولو بعد شهور أو سنوات.

وعندما تسود الوشايات والمخبر السري، وتنتظم المسيرات العسكرية والشرطوية وهي ترفع شعارات طائفية و“سيستاني على الراس” وتنطلق الأهازيج من جنود وضباط بإشراف ملالي شيعة معممين، تخوض في أعراض سكان المناطق الغربية وأبناء القبائل العربية الذين حولتهم أناشيد النصر إلى “قوادين” ينامون على ظهورهم وبناتهم منتفخات البطون من الحرام، فإن نتائج هذه الانتهاكات والتصرفات غير الأخلاقية، ستكون لها أصداء شعبية وردود فعل تتجاوز السخط النفسي أو الغضب الشخصي.

فالطعن في أعراض الملايين من الناس بهذه العمومية المقصودة في نشر اللقطات والمشاهد على الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي، سيخلق حالة من الهياج تتحوّل مع ازدياد صور وأفلام مشابهة يتم تداولها يوميا، وجميعها يظهر السنة العرب بلا استثناء، غير شرفاء و“رجال بالغربية ذلت حالها” مع سباب بذيء وشتائم رخيصة، تتحول عاجلا أم آجلا إلى حركة تمرّد وانتقام وطلب ثأر، خصوصا في ظل صمت الأجهزة الحكومية وعدم اتخاذها إجراءات رادعة ضد هؤلاء السفلة الذين يعانون دونية في أصولهم ونقصا في تربيتهم.

وقبل أيام طردت كتائب الإمام علي، وهي إحدى ميليشيات الحشد الشيعي، أكبر ذباحيها (أبوعزرائيل) بعد ظهوره في لقطات وهو ينفذ حكم الإعدام برجل ملتح مشتبه به بالانتماء إلى داعش، بحرق لحيته وشعر رأسه في منظر يثير الاشمئزاز، بينما حكومة حيدر العبادي لا تجرؤ على اعتقاله مع أنه يُشاهَد يوميا يتنزه وسط حراسه ومرافقيه في شارع فلسطين وحي زيونة مزهوا بجرائمه الوحشية.

إن الأسلوب الذي سوّقته وسائل الإعلام الحكومية والفضائيات الشيعية في تغطية أنباء معارك الموصل، والتركيز على أن أبناء الشيعة، هبّوا لتحرير المدينة السنية، من دون أن يشيروا إلى أنهم جنود وضباط في وزارتي الدفاع والداخلية وقوات جهاز مكافحة الإرهاب، يعطي دلالات طائفية، تنتقص من هيبة الجيش العراقي والقوات الحكومية وتنزع عنها دورها في المعارك وتشطب على تضحياتها، مع أن الرد على هذه التلفيقات سهل وبسيط، ونسأل، أين كان جنرالات وفرق وألوية قوات نوري المالكي وجميع قادتها وأغلب أفرادها من الشيعة، عندما هربوا وخلعوا بدلاتهم العسكرية وارتدوا الدشاديش وتركوا أسلحتهم ومدافعهم ودباباتهم، قبل ثلاث سنوات أمام شرذمة داعشية من 200 مسلح؟

المستقبل في العراق يحمل حروبا لن تتوقف، ما دامت القيادات والمرجعيات والميليشيات الشيعية، سائرة في غيّها، ومستمرة في ضلالها وطائفيتها، وانتظروا الآتي من الأيام، والله يستر.

كاتب عراقي

8