معركة الموصل نقطة التقاء إيراني أميركي جديدة على أرض العراق

الحديث عن حرج أميركي من مشاركة الميليشيات الشيعية في معركة استعادة مدينة الموصل العراقية من تنظيم داعش، لا يستقيم في نظر بعض المحللّين، لأنّه يفترض أن تلك المشاركة فرضت بالضد من إرادة الولايات المتحدة، فيما الوقائع تشير إلى إمساك واشنطن بزمام الحرب على التنظيم المتشدّد في العراق تخطيطا وتوقيتا وأطرافا مشاركة.
الأربعاء 2016/11/16
الضحك على الذقن الأميركي

بغداد - تتحدّث منابر إعلامية أميركية عن “قلق” لدى واشنطن من تعاظم دور الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيا في معركة استعادة مدينة الموصل مركز محافظة نينوى العراقية من تنظيم داعش، على اعتبار أن ذلك الدور سيكون بالنتيجة ترسيخا لدور إيران في العراق.

وقالت صحيفة واشنطن تايمز الثلاثاء في مقال لها إنّ تقدم ميليشيات الحشد الشعبي نحو الموصل وضع القادة الأميركيين في حرج من الاضطرار إلى توفير الغطاء الجوي لتلك الميليشيات ذات الصلات الواضحة بالنظام الإيراني.

غير أنّ متابعين للشأن العراقي يهوّنون من شأن ذلك “القلق” مستبعدين أن يكون تدخّل ميليشيات الحشد الشعبي في معركة الموصل قد فُرض فرضا على الولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي ضدّ داعش وكان لها دور كبير في تخطيط المعركة وتحديد موعد انطلاقها، إضافة إلى دور طيران التحالف في توفير الغطاء الجوّي للقوات المشاركة في الحملة.

ويذكّر هؤلاء بأن كلاّ من إيران وواشنطن، أظهرتا طيلة السنوات الماضية، ورغم كل ما بينهما من خلافات، قدرة على التوافق بشأن الملف العراقي، جسّدتاه كأوضح ما يكون، في تعاونهما على إسقاط نظام الرئيس الأسبق صدّام حسين وتسليم حكم البلد للأحزاب الشيعية الموالية لإيران.

ويرون أن الوضع القائم في العراق حاليا بكل جوانبه وتفاصيله ليس سوى نتاج ذلك الوفاق الأميركي الإيراني.

وتمكّنت الميليشيات الشيعية بفضل الدّعم السياسي الكبير الذي تحظى به في العراق من انتزاع دور لها في معركة الموصل الدائرة حاليا، رغم الاعتراضات الشديدة من داخل البلد وخارجه على مشاركتها في المعركة نظرا لدورها السلبي في إضفاء طابع طائفي على الحرب ضدّ داعش من خلال ممارساتها الانتقامية ضدّ السكان السنّة في المناطق التي شاركت تلك الميليشيات في استعادتها من داعش على غرار مناطق بمحافظات بابل وديالى وصلاح الدين والأنبار.

إدارة أوباما الباحثة عن أي إنجاز في أواخر عهدها المكلل بالخيبات أمام مفارقة دعم الميليشيات في الموصل أو ترك المعركة تفشل

واكتفت الميليشيات بادئ الأمر بدور ثانوي في المعركة من خلال العمل في جبهات خلفية بعيدة عن الموصل، لكنّ دورها شهد قفزة نوعية بتوليها مهمة إغلاق المنفذ الغربي على مستوى قضاء تلعفر ذي الأهمية الاستراتيجية القصوى لوقوعه على الطريق نحو سوريا، ما جعل المراقبين يتحدّثون عن نجاح إيراني في تأمين منفذ إلى الأراضي السورية عبر العراق وصولا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسّط.

ومع تعثّر جهود القوات الحكومية العراقية الهادفة إلى اقتحام الموصل وتعقّد المعركة، بدأ الحديث يجري عن إمكانية الاستنجاد بفصائل الحشد للمساعدة في دخول أحياء المدينة، ما يعني اكتمال مشاركة الميليشيات في الحملة العسكرية في نينوى.

وبعد أربعة أسابيع من انطلاق معركة الموصل تمكّنت القوات العراقية فقط من إنهاء سيطرة تنظيم داعش على ثلث الجانب الشرقي من المدينة، بحسب ما أعلنه الثلاثاء ناطق باسم وزارة الداخلية.

ويقسم نهر دجلة الموصل إلى جانب شرقي وآخر غربي، ويبدو الجزء الأخير مستعصيا على الاقتحام لتركيز التنظيم أغلب قواه هناك مستخدما المدنيين دروعا بشرية.

وتوقّعت مصادر عراقية أن يقوم رئيس الوزراء حيدر العبادي خلال الأيام القادمة، بصفته قائدا عاما للقوات المسلّحة العراقية، والمسؤول الأوّل عن عملية “قادمون يا نينوى” لاستعادة مدينة الموصل من داعش، بتوجيه أمر رسمي لعدد من فصائل الحشد الشعبي المؤلف من ميليشيات شيعية والمتمركزة في الوقت الراهن بجبهات خلفية، بالتقدّم صوب المدينة للمساعدة في “تحريرها” بعد أن تعذّر ذلك على القوات الأمنية التي أوكلت لها مهمة الاقتحام النهائي.

وقالت المصادر ذاتها إنّ العبادي سيستند في ذلك إلى شرط مسبق كان قد طرح أثناء وضع الخطة النهائية لحملة نينوى العسكرية بالتنسيق مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ويقضي بأنّ تختصّ القوات الحكومية بدخول مدينة الموصل، وأن تسند للميليشيات الشيعية مهام في جبهات خلفية بعيدة نسبيا، على أن يتمّ الاستنجاد بالحشد في حال اقتضت الضرورة.

ويوحي هذا التدرّج في تعظيم دور الحشد الشعبي في معركة الموصل بحدوث “خديعة”. لكن مصادر عراقية استبعدت ذلك مرجّحة في المقابل وجود اتفاق سرّي بين بغداد وطهران وواشنطن لتمرير مشاركة الميليشيات الشيعية في المعركة بطريقة سلسة تساعد في الالتفاف على رفض أهالي المحافظة لدخول الميليشيات مناطقهم، فضلا عن اعتراض جهات إقليمية على مشاركة الحشد الشعبي في استعادة الموصل.

وقالت الصحيفة الأميركية المذكورة إنّ قتال الحشد الشعبي في الموصل جنبا إلى جنب القوات الحكومية العراقية يجعل القادة الميدانيين الأميركيين في موقع المضطرين إلى توفير الغطاء الجوي لميليشيات مرتبطة ارتباطا واضحا بالنظام الإيراني.

ونقلت عن مسؤول بوزارة الدفاع “البنتاغون” تأكيده رفض القادة الميدانيين استخدام أي مقدّرات أميركية لمساعدة الميليشيات.

لكنّ التحدّي الذي تطرحه الواشنطن تايمز في شكل تساؤل يتمثّل في كيفية تطبيق ذلك الرفض عمليا حين تستدعي الحاجة الميدانية من طيران التحالف الدولي بما فيه القاذفات الأميركية، توفير الغطاء للقوات العراقية المختلطة بالميليشيات أثناء المعركة.

وتوحي الصحيفة من خلال ذلك بأن تعاون القوات الأميركية مع الميليشيات الشيعية سيغدو في النهاية فرض واقع، إذ ليس من الوارد أن تترك إدارة الرئيس أوباما الباحثة عن أي إنجاز في أواخر عهدها المكللّ بالفشل والخيبات معركة الموصل تفشل في أمتارها الأخيرة.

3