معركة تحرير سرت تعمق الانقسام الليبي

تحاول حكومة الوفاق التي انبثقت عن اتفاق الصخيرات تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية وإظهار أنها الرهان الوحيد القادر على بسط الاستقرار في ليبيا، وذلك عبر الانخراط في معارك لا تنتهي مع البرلمان الشرعي والجيش، وآخرها رفضها لأيّ عملية عسكرية لتحرير سرت من داعش خارج أطرها.
الأحد 2016/05/01
إعادة الحسابات ضرورية

طرابلس - في الوقت الذي يطبق فيه تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة سرت الساحلية، يتصارع الفرقاء الليبيون على من يملك أحقية قيادة المعركة ضد التنظيم هناك، في مشهد يعكس حالة التشظي والانقسام التي بلغتها الساحة السياسية في ليبيا.

وأطل الفرقاء في الساعات الماضية بتصريحات وتصريحات مضادة، يدّعي كل طرف فيها أحقيته القانونية بتحرير المدينة.

وحذر رئيس حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت بموجب اتفاق الصخيرات من إقدام الجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر على عملية عسكرية ضد داعش في سرت.

وقال فايز السراج إن “الانقسام السياسي في البلاد أدّى إلى حالة من عدم ثقة بين الليبيين، ولذلك نسعى ونتطلع إلى تنظيم الجهود من أجل خوض معركة الوطن للقضاء على داعش في سرت والمناطق المجاورة وبمشاركة جميع الأطراف”، مشددا على “أنه لن يسمح بأن تكون معركة تحرير سرت خاضعة للمساومات السياسية والمكاسب الآنية”.

وقبل تصريحات السراج كان المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق قد طالب في بيان له “كل القوى العسكرية الليبية انتظار التعليمات بتعيين قيادة مشتركة للعمليات في مدينة سرت لمحاربة عناصر تنظيم الدولة” فيها.

واعتبر المجلس الرئاسي أن كل مخالف لتعليماته بخصوص تحرير مدينة سرت “منتهك للقوانين العسكرية ومخالف للتعليمات ومعرقل للجهود المبذولة في سبيل توحيد الصف لمحاربة الإرهاب”.

وينصّب المجلس الرئاسي نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة، رغم أن البرلمان الليبي المعترف به دوليا لم يصادق بعد على حكومة الوفاق.

وهناك أزمة سياسية كبيرة بين الفرقاء الليبيين حول قيادة الجيش، حيث يرى البرلمان بضرورة الإبقاء عليها ضمن مشمولاته.

موقف السراج والمجلس الرئاسي المتصلب حيال من يتولى تحرير سرت، قابله أيضا موقف حازم من قبل البرلمان الشرعي الذي يوجد مقره في طبرق شرق ليبيا.

واعتبر رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح أن موقف فايز السراج والمجلس الرئاسي “يصب في خانة إنتاج الشقاق ويضيف مزيدا من الانتهاكات والخروقات الممنهجة للاتفاق السياسي، كما أنه يطعن في عقيدة الجيش الليبي”.

واتهم صالح المجلس الرئاسي الموجود في العاصمة طرابلس بالقفز على الاستحقاقات الدستورية وإعطاء نفسه صفة “القائد الأعلى”، مشيرا إلى أن كل قراراته وبياناته فاقدة للشرعية الدستورية والقانونية، لأنّ الاتفاق السياسي لم يشرعن، ولم يضمّن بعد في شكل تعديل دستوري”.

وشدد على أن “المجلس الرئاسي غير مخوّل بتعيين قيادة عسكرية جديدة، وبأن القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية ورئاسة الأركان هي مؤسسات عسكرية نظامية شرعية منبثقة عن البرلمان الشرعي، وبأنه مؤسسة عسكرية نظامية تحارب الإرهاب منذ أكثر من عامين”.

الجدل الحاصل حاليا لا يصب في صالح الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية الذي ما كان ليكون له موطئ قدم في ليبيا لولا الانقسامات السياسية

وأوضح رئيس البرلمان الليبي “نرفض بشكل قاطع توصيف القوات المسلحة العربية الليبية بأنها ‘قوة عسكرية’ في محاولة لمساواتها بالميليشيات المسلحة في غرب البلاد، وأضاف قائلا “البيان يطعن في عقيدة الجيش الليبي، ويصفه بالمتاجر في قضايا الوطن، ويهدد باستدعاء الأجنبي الخارجي لضربه”.

ويرى محللون أن الجدل الحاصل حاليا لا يصبّ في صالح الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية الذي ما كان ليكون له موطئ قدم في ليبيا لولا الانقسامات السياسية.

ويرى متابعون أن حكومة الوفاق، والمجلس الرئاسي التابع لها، يتحمل إلى حدّ بعيد مسؤولية الحالة الراهنة، بسبب رغبتها الجامحة في تثبيت نفسها على أنها السلطة الشرعية والوحيدة (رغم عدم حصولها على مباركة السلطة التشريعية) على حساب التوافق مع باقي الأطراف الليبية. ويعاضدها في ذلك المبعوث الأممي مارتن كوبلر.

وانتقد عقيلة صالح المبعوث الأممي مارتن كوبلر، وقال إنه لم يعد ملتزما بوظيفته، إذ بات يتدخل في الشأن الداخلي الليبي، فضلاً عن انحيازه لطرف بعينه على حساب الأطراف الأخرى.

وتريد حكومة السراج أن تكون عملية تحرير سرت تحت إمرتها لإضفاء مزيد من الشرعية خاصة محليا، والتأكيد للغرب على أنها الرهان الوحيد لإعادة الاستقرار إلى هذا البلد.

ولكن هذه الرغبة لا تقف أمامها فقط مسألة عدم حصولها على دعم البرلمان، بل أيضا هي لا تملك حقيقة القوة العسكرية المؤثرة على الارض والتي ستخوّلها خوض معارك تحرير ضد داعش، أو غيره من التنظيمات الإرهابية المنتشرة في العديد من أنحاء ليبيا.

بالمقابل فإن الجيش الليبي الذي يقوده اللواء خليفة حفتر ويستمد شرعيته من البرلمان، يمتلك هذا التأثير، وقد أثبت ذلك من خلال النجاحات العسكرية التي حققها في بنغازي كبرى المحافظات الليبية، وأيضا في العديد من المناطق في شرق البلاد.

ويرى متابعون أن أسلوب حكومة الوفاق وسعيها لتشويه الجيش لا يخدم إعادة الاستقرار إلى ليبيا وهيبتها. ويخشى كثيرون من أن استمرارها في هذا النهج قد يضع البلاد على شفا حرب أهلية سيدفع ثمنها غاليا الشعب الليبي.

2