معركة تحرير طرابلس تطرق ربع الساعة الأخير

الجيش الليبي ينجح في استنزاف ميليشيات مصراتة، وأغلب الشباب المغرر بهم والمدفوعين إلى ساحات القتال باتوا يميلون إلى التخلي عن السلاح، وبعضهم سلم سلاحه.
الأربعاء 2019/08/07
هل تعود مصراتة إلى حضن ليبيا

شكل قصف الجيش الوطني الليبي لطائرة عسكرية تركية من طراز اليوشن نقلة مهمة في أحداث وتطورات معركة طرابلس، ويؤكد نجاح الجيش الليبي في استنزاف الميليشيات المسلحة التي ترفض خيار دولة المؤسسات مقابل ولائها لإطراف خارجية مثل تركيا وقطر تروج للفوضى والانقسام في البلد، وتنبئ التطورات الميدانية الأخيرة بأن الحسم العسكري لصالح الجيش قد اقترب.

كل شيء من داخل طرابلس وحولها يشير إلى أن الجيش الوطني بلغ مرحلة الربع الساعة الأخير قبل الوصول إلى ميدان الشهداء، فالميليشيات لن يكون بوسعها أن تصمد أكثر بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها خلال الأيام الماضية، وبعد انهيار معنوياتها بشكل غير مسبوق، واختيار عدد من ميليشيات زليتن والخمس الانسحاب من محاور القتال، وارتفاع أصوات من داخل مصراتة تنادي بالتوصل إلى حل سريع قبل  القضاء على أعداد أخرى من شباب المدينة في معركة يعتبرها أغلب المراقبين خاسرة، خصوصا في ظل الصمت الإقليمي والعالمي الذي لا يُقرأ إلا على أنه دعم غير مباشر للقوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر.

عقلاء مصراتة لا يريدون التورط أكثر في بحيرة الدم التي تمتد من سرت إلى طرابلس، والضربات الجوية التي وجهها الطيران الحربي لعدد من الأهداف داخل المدينة التي كانت إلى وقت قريب تعتقد أنها مؤمّنة وغير قابلة للقصف، غيرت الكثير من المعطيات الميدانية، ما دفع لاحقا إلى فتح باب مفاوضات سرية تقضي بانسحاب ميليشيات المدينة من محاور القتال حول العاصمة مقابل عدم استهدافها من جديد.

قصف طائرة “اليوشن” التركية حال هبوطها بقاعدة مصراتة، الاثنين، وتدميرها والشحنة التي كانت تحملها بالكامل، مثّل نقلة مهمة في الأحداث وخاصة داخل المدينة التي اختارت منذ العام 2011 أن تتصرف على أنها القوة المنتصرة التي يجب أن يخضع لها الجميع، بما صاحب ذلك الشعور من عقدة التفوق التي تحولت إلى السيطرة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ولتنفيذ أحكام "العقاب" ضد المدن والقرى والقبائل الأخرى، حتى باتت شبه معزولة في محيطها، وإن كانت تضع يدها

على مركز القرار في العاصمة من خلال المجلس الرئاسي ووزارات السيادة في حكومة الوفاق وإدارة المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط ومؤسسة الاستثمارات وأغلب السفارات في الخارج، فأغلب المسؤولين على القطاعات الحيوية هم من مصراتة، ولا تعيين أو تكليف إلا بقرار أو مباركة من مصراتة، وقوى الإسلام السياسي تدار من مصراتة المفتوحة على تركيا بنزعات ثقافية مستدعاة من التاريخ لتشريع تبعية، تدار من قبل عدد من الأسر لا غير.

لكن السؤال الذي يؤرق الجميع تقريبا هو: هل تستطيع مصراتة أن تعيش حالة العزلة التي اختارتها لنفسها بعد تحرير العاصمة؟ هل تتحول إلى إدلب جديدة مثلا أم تنقلب على قادتها السياسيين وأمراء الحرب فيها وزعمائها الجهويين لتعود إلى حضن ليبيا وهي التي لا تستطيع القفز فوق المتوسط لتكون الولاية التركية الثالثة والأربعين؟

تراجع نفوذ الميليشيات

مسراطة

تحرير طرابلس سيحرم ميليشيات مصراتة من غنائم المعارك وأموال المصرف المركزي، وسيجعل تجارتها تبور وهي مدينة الصناعيين والتجّار التي كانت شاحنات بضائعها المصنعة في منشآتها تشق كامل البلاد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فأقصى الجنوب، لكن الأمر يبدو مختلفا اليوم، فتلك المدينة باتت منبوذة اليوم من أغلب المدن والقبائل الليبية، حتى رجال أعمالها الذين كانوا وراء إشعال نار الفتنة وتمويل الحروب مستظلين بشعارات الإسلام السياسي، لم يعد أمامهم إلا الاستمرار في تهريب أموالهم إلى دول عدة على رأسها تركيا للاستثمار فيها.

أما الجيش الوطني الذي قاد معارك تحرير بنغازي ودرنة والهلال النفطي والجنوب وحقق الجانب الأكبر من أهدافه التي رسمها عند إطلاقه عملية الكرامة في ربيع 2014 وبات يسيطر على أكثر من 90 بالمئة من المساحة الجملية للبلاد، لن يتأخر كثيرا عن إعلان تحرير طرابلس، ولن يقبل أن تكون أي نقطة من أراضي بلاده خارج سيطرة الدولة، وبمجرد وصوله إلى العاصمة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ستسرع عواصم العالم لدعمه، بما في ذلك روما التي تبدي تعاطفا مع مصراتة، بل وحتى تركيا الأردوغانية ذات النزعة الانتهازية التي لا تهتم في الأخير إلا بمصالحها، وخاصة في بلد في حجم وموقع ودور وثراء ليبيا.

حكومة السراج بدورها، تدرك اليوم أنها على وشك النهاية، وأنها أصبحت عبئا على العالم الذي لا يبدو أنه يستعجل الإطاحة بها بعد أن أثبتت، لا فشلها وعجزها عن إدارة شؤون البلاد فقط، وإنما فسادها وخداعها واعتمادها على الإرهابيين والمرتزقة وتجار البشر، وارتهانها لسلطة ميليشيات لا تتورع عن ارتكاب أعتى الجرائم في سبيل الإبقاء على نفوذها.

اليوم كل المؤشرات تؤكد أن أغلب مسؤولي تلك الحكومة يستعدون للمغادرة، وحتى الإجراءات الأخيرة التي اتخذها السراج بتخفيض قيمة الرسوم على بيع النقد الأجنبي تدخل بشكل مباشر في هذا الاتجاه، ما سيمكن الحيتان الكبيرة من شراء العملات الأجنبية وتحويلها إلى الخارج، استعدادا لموسم هجرة أزلام الرئاسي والوفاق، فقيادات الإسلام السياسي وأمراء الحرب وعناصر الميليشيات والمتورطون في النهب والسلب ومقاتلة الجيش ونهب المال وضرب مؤسسات الدولة وفي الاغتيال والاختطاف والاغتصاب والتعذيب وغيرها من الجرائم، باتوا على قناعة بأن ساعة الحساب قد أزفت، وهم يعلمون جيدا أن ملفاتهم جاهزة لدى أجهزة لم تتوقف عن العمل منذ العام 2011 من داخل البلاد وخارجها، وأن كل ما قاموا به كان مرصودا.

 وهناك حاليا في المنطقة الشرقية أكثر من غرفة عمليات نظامية تتابع لحظة بلحظة ما يدور في العاصمة وفي كل المناطق الخاضعة لحكم الميليشيات بما في ذلك مصراتة. فالدولة التي يصفها البعض بالعميقة لم تتفكك نهائيا كما يعتقد البعض، ولا تزال تتحمل مسؤولياتها في تدوين وترتيب الملفات استعدادا لليوم الذي ستعود فيه المؤسسات للعمل بكامل إرادتها، ودون تهديد من العصابات المسلحة.

اللحظة الصفر

استنزاف الميليشيات

يوجد الجيش الوطني الليبي اليوم على تخوم قلب العاصمة، هناك حوالي 20 ألف مقاتل مستعدون للحظة الصفر، حوالي 70 بالمئة منهم لم يدخلوا المعارك بعد، سلاح الجو التابع للقيادة العامة سيطر على أجواء العاصمة والمنطقة الغربية، كما يسيطر على باقي مناطق البلاد والقوات الخاصة وقوات النخبة جاهزة للقيام بعمليات وراء خط الميليشيات، بل وقامت ببعض العمليات النوعية التي لا يكشف عنها عادة، وتتحرك المخابرات العسكرية التابعة للقوات المسلحة في داخل أحياء وشوارع طرابلس وصولا إلى قاعدة بوستة، وباتت حكومة السراج على يقين من أنها مخترقة من الداخل من قبل أنصار الجيش والمدافعين عن فكرة ومفهوم الدولة، حتى الميليشيات نفسها خاضعة لعملية رصد دقيقة، وهو ما تبين من الضربات الدقيقة التي تلقتها خلال الأيام الماضية.

وقبل أكثر من 120 يوما، أطلق الجيش الوطني عملية “طوفان الكرامة”، كان ذلك في الرابع من أبريل الماضي، وخلال هذه الفترة التي تعد بسيطة مقارنة مع فترة معركة تحرير بنغازي، استطاعت قواته أن تستنزف الميليشيات، فالهدف كان تكبيدها أكثر ما يمكن من الخسائر بعيدا عن المناطق المكتظة بالسكان، وكانت القيادة العامة تدرك أن نجاح العملية يكمن بالأساس في أكبر خسائر ممكنة في صفوف المسلحين مقابل أقل خسائر ممكنة في صفوف المدنيين، وهو ما يبدو أنه تحقق بالفعل، فالميليشيات تعيش حالة من الإرباك، أغلب الشباب المغرر بهم والمدفوعين إلى ساحات القتال باتوا يميلون إلى التخلي عن السلاح، وبعضهم قام بذلك فعلا.

وأغلب أمراء الحرب ممن استفادوا من نفوذهم خلال السنوات الماضية وكونوا ثروات طائلة اختفوا فجأة، المئات من القادة الميدانيين والمقاتلين العقائديين قضوا في الجبهات، الطائرات المسيرة التركية فشلت في أن تحقق أهدافها، فهي تنطلق من مساحات محدودة، لتواجه جيشا يتمدد على مساحات شاسعة، والدفاع الجوي بات قادرا على التقاطها وإسقاطها.

ويدرك المجلس الرئاسي الذي تشكل وفق اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015، والفاقد للشرعية الشعبية والدستورية، والمنقسم على نفسه، والمهجور من قبل نصف أعضائه، أن أيامه معدودات، قبل أشهر قليلة كان يعتدّ بالاعتراف العالمي به، لكن اليوم أصبح صوته بلا صدى.

المعركة شارفت على الانتهاء، هناك الكثير مما يدور في الخفاء، وكل تأخير يعني أن هناك طبخة لا تزال على نار المفاوضات، لكن الثابت أننا في ربع الساعة الأخير، وموعد الحسم قد يباغت الجميع في أي لحظة، المؤكد أنها ستأتي، وقد تأتي ذات فجر قريب عندما يكون البعض لا يزال يغط في نوم عميق.

7