معركة تكريت انقلاب إيراني وتخبط أوبامي

السبت 2015/03/07

يصل حيدر العبادي خلسة عبر مروحية عسكرية إلى سامراء، بعد أن أمنت أجواءها طائرات “درونز” الإيرانية الاستطلاعية، ومرافقة وحدات حماية من الحرس الثوري الإيراني له. يتم العبادي مهمته بإعلان ساعة الصفر، ويعود لممارسه أعماله الروتينية، التي توجها بلقائه أمينة بغداد الجديدة لبحث سبل رفع القمامة من شوارع العاصمة، بينما يتولى قاسم سليماني وجنده من زعماء الميليشيات قيادة المعركة بكل تفصيلاتها العسكرية والإعلامية، ويتساءل العراقيون عن وزير دفاعهم الذي غاب فجأة ولم يظهر البتّة في خضم هذه المعركة، ولم يدل بأي تصريح صحفي وكأنه غير معني وهو المسؤول التنفيذي الأول في المؤسسة العسكرية.

يعكس غياب وزير الدفاع، تغييبا للمؤسسة العسكرية “الوطنية” أو دورها الهامشي في صنع الحدث، الذي تتصدره جحافل من الميليشيات غير النظامية، يقودها قاسم سليماني بشكل مباشر ومعلن، أما تحجيم وظيفة العبادي وقصرها على إعلان لحظة البدء، بدا وكأنه سخرية إيرانية على من أُريد له أن يكون عنوانا لتراجع نفوذها في البلاد، والذي بدأ منذ أن فرضت داعش سيطرتها على أكثر من ثلث العراق، حيث حاولت الولايات المتحدة فرض معادلة جديدة، تعيدها إلى العراق عبر تعديلات في الموازين السياسية، التي بدأتها بإزاحة نوري المالكي “أداة إيران الطيعة” وفرض العبادي، والنفاذ عسكريا من خلال تقوية الجيش، وتطعيمه بتشكيلات الحرس الوطني الذي لم ير النور.

استطاعت إيران عرقلة خطط العودة الأميركية تحت لواء محاربة الإرهاب. الضعف الأميركي في المنطقة ساعدها في ذلك، فالولايات المتحدة التي تبدو غير قادرة على العودة عسكريا أو على الأقل ذلك لا يدخل ضمن خيارات إدارة أوباما لفرض توازنات جديدة، اكتفت بالتعبير عن تفاجُئها من إعلان المعركة حسب ما تناقلته الصحف الأميركية، وصرحت بعدم مشاركة طائراتها في توفير غطاء جوي وهو ما يناقض دور التحالف الذي تأسس لهذا الغرض، فتحسس أميركا بأن انقلابا إيرانيا قد وقع جعلها تحجم عن المشاركة جويّا، مما فسح المجال لتنظيم داعش. فتح التنظيم خطوط إمداد من الرقة حتى تكريت، تمر عبرها تعزيزاته العسكرية واللوجستية، التي جعلت المعركة تبدو في غاية الصعوبة للجانب الإيراني.

مسارعة الجانب الأميركي عبر وزير الخارجية جون كيري، بطمأنة الخليج على أمنه بزيارته الأخيرة للسعودية، ناتج عن شعور خليجي بالخطر الإيراني المتعاظم، الذي بدأت إشاراته بعد الهيمنة الإيرانية على اليمن، ومناورات استعراض القوة العسكرية التي قامت بها في مياه الخليج، وآخرها دلالات معركة تكريت وأثرها على الحساسية الخليجية، والتي ظهرت بقول سعود الفيصل وزير خارجية المملكة بالمؤتمر الصحفي مع نظيره الأميركي “إيران تبتلع العراق”، فهذه المفاجأة التي ألقت بها إيران، من خارج سياق الرؤية الأميركية الخليجية لمستقبل العراق والمنطقة زادت الأمور تعقيدا، فجون كيري اختزل التطمينات على الموضوع النووي، بينما أشار سعود الفيصل إلى الابتلاع الإيراني أي خطر نفوذها على الأرض أيضا.

ادارة أوباما تبدو أكثر حرجا أمام حلفائها وأمام خصومها في مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، حيث تعلو الأصوات “الجمهورية” المنتقدة لسياسات أوباما والتي تعززت عقب خطاب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس.

إيران التي تعزز من تحركاتها الانقلابية التوسعية في المنطقة، لاسيما بعد معركة تكريت، تفصح بعدم اكتراثها بهواجس الأميركيين والخليجيين، وكأنها تستثمر نهج أوباما وإدارته حيالها، هذه الإدارة التي تفشل في مقاربة الملفات التي تشكل خطورة على أمن حلفائها وبالتالي أمنها، أي المسألة النووية التي تشكل المسألة الأهم لإسرائيل، كما عكس ذلك خطاب نتنياهو، ومسألة النفوذ والابتلاع الإيراني للمنطقة، التي تؤرق دول الخليج بما لا يقل عن مسألة النووي، وكذلك مسألة الحرب على الإرهاب.

بينما ظهر في أكثر من مناسبة ميل أوباما مقايضة النووي بالاعتراف بحقوق إقليمية لإيران. تطرح التغولات الإيرانية المستمرة على المنطقة تحديات جديدة لإدارة أوباما، ولا يبدو أنه يمتلك سوى التخبط حيال هذه المستجدات، وهذا ما سيطيل أمد التعقيدات في مسألة المفاوضات، وما ستؤثر فيه المجريات الميدانية في تكريت وكذلك في اليمن. أما عن الخليج، فيبدو من الصعب عليه تقبل التطمينات الأوبامية والاكتفاء بها، فإيران ستسعى لتعزيز خطواتها الانقلابية بتعجيل نصر مشتهى في تكريت يعزز حظوتها، وربما تستتبعه في مكان آخر، فعيونها ترنو صوب البحرين ومناطق ربما في عمق المملكة.

ستعرقل الولايات المتحدة تحقيق إيران لانتصار في تكريت، فرغم ترحيب قائد الجيوش الأميركية مارتن ديمبسي بالعملية العسكرية والدور الإيراني، إلا أن عدم توفير الدعم الجوي والإحجام عن المشاركة سيعرقل النصر الإيراني. وسيجرها إلى إطالة أمد الحسم مع الإرهاب الذي يراه كثيرون نهجا أميركيا ضاغطا على إيران، لاسيما أن إحجام مشاركة طيران التحالف يفتح مجالات المناورة العسكرية واللوجستية أمام داعش للاستمرار طويلا، وكل ذلك يعكس تخبطا أوباميا حيال ملفات الإرهاب والنووي والتمدد الإيراني.


كاتب عراقي

8