معركة ثقافية بائسة

الأربعاء 2016/06/01

يستعيد نفر من النقاد العرب هذه الأيام، مرحلة بائدة من مراحل الهيمنة الأيديولوجية على الفكر والأدب والفن، كنا نظن أنها أصبحت من الماضي، وتذكرها ينفع، فقط، للاستفادة من درسها البليغ والمؤلم! حين وُضعت جداول لتصنيف المبدعين بالسلب أو الإيجاب، وفقا لموقفهم الأيديولوجي، بمعزل عن نصهم الإبداعي ذاته، وفي ما بعد حين كان شعار مقاومة التطبيع وسيلة لإخراج الكاتب من الملة! وهؤلاء الذين وجدوا في فوز رواية فلسطينية بجائزة دولية، فرصة لاستعادة صوتهم الغائب قصداً في زحمة القتل اليومي، ومناسبة لاستعادة المزايدات الوطنية، تحت بند “محاربة التطبيع”، لم يكلفوا خاطرهم طوال خمس سنوات، بإعلان موقف واضح مما يجري على أرض سوريا والعراق واليمن، من تدخل سافر لإحدى الدول الإقليمية شديدة الطائفية، وانتهاك سيادة الأراضي العربية، فالموقف اللفظي المنافق من القضية الفلسطينية الذي تتبناه تلك الدولة المعتدية، أهم عندهم من ضياع بلدين عربيين كبيرين، وخروجهما من التاريخ والجغرافيا!

لقد استغلت قضية محاربة التطبيع دائماً من قبل الأنظمة الشمولية للتغطية على مفاوضاتها مع الإسرائيليين، ولم تكن في يوم من الأيام معركة شريفة، تحركها نوازع وطنية حقة، خصوصاً حين كان يتصدرها رمز ثقافي رسمي في بلد يخوض مفاوضات في السر والعلن مع العدو الإسرائيلي.

ولازلت أذكر تلك المفارقة العجيبة التي وقعت في مقر اتحاد الكتاب العرب في العاصمة السورية في العام 1997، حين زار الاتحاد وفد من عرب 48 بينهم ضابط احتياط في الجيش الإسرائيلي ونائب وزير في حكومة باراك آنذاك، وكيف ألقى رئيس الاتحاد بهم يومها محاضرة ضد التطبيع! الموقف الفصامي هو ذاته نعيشه هذه الأيام، ففي حين اندلق حبر كثير للهجوم على الرواية الفلسطينية وصاحبها بدعوى مساواته بين الضحية والجلاد، لم تسل نقطة حبر واحدة للتعبير عن موقف إنساني ضروروي لاستنكار مذبحة السوريين والعراقيين المتواصلة. لا، بل إن الأمر وصل بذلك النفر من النقاد ومن لف لفهم أن أرسلوا برقيات تهنئة للقاتل، وبعضهم زاره زيارة دعم وتأييد لكل ارتكاباته، وكل ذلك تحت راية محاربة التطبيع، والوقوف في خندق الممانعة والمقاومة، الذي يواجه وحوش الظلام.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14