معركة حمار

الخميس 2014/11/20

أوقفتُ سيارتي على مسافة قريبة منه، وبدأت أتأمّل المشهد وأتألّم لحال الحمار الذي وضعه الحظّ العاثر بين أياد لا ترحم.

حمار مسكين يجرّ عربة ثقيلة ويتحرك بمشقة تحت لهيب الشمس والعصا المنهالة عليه طول الوقت بلا سبب.

قلت في نفسي سأنزل لأكلم ذلك الحيوان، أقصد صاحب الحمار. ثم تصورتُ أن يأتي الحوار على النحو التالي: سأقول له “ارحمه رجاء”. أو ربما يجدر بي أن أذكر ذلك الغبيّ بالله فأقول له “إن الله لا يحب مثل هذا التصرف”.

هل هي عبارة مقنعة؟ سأفتش عن سند في النص الديني. قد لا أجد حديثا ينفع إخوتنا الحمير، غير أن ذلك الغبي لن يطلب مني دليلا من النص. وربما يقول لي بكل وقاحة “الحمار حماري، أضربه كما أشاء، وأنت ما دخلك في الموضوع؟” قد أضطرّ إلى المواجهة. هنا تساءلت أيضا، هل هناك سند في القانون يسندني إذا ساءت الأحوال؟ مرّة أخرى، قد لا أجد.

وبينما أفكر في الأسلوب الألطف لتحقيق الهدف، تداركتُ نفسي قائلا سائلا، وما الهدف إذاً؟ هل بوسعي أن أضمن لهذا الحمار مصيراً آخر؟ حياة أفضل من هذه؟ شقاء أقل على الأقل؟ أم أن الممكن الأوحد هو أن يتوقف ذلك الغبي عن تعذيب حماره أمام أنظاري وليفعل ما يشاء في ساعة أخرى؟ أدركتُ في الأخير بأنّ المعركة معركة الحمار بالأساس، قد يكون الممكن فيها محدوداً والأفق مسدوداً والأمل مفقوداً، غير أني لا أستطيع في المقابل أن أبقى مكتوف الأيدي. وكما قال مشيل فوكو ذات يوم: “لا نستطيع فعل كل شيء، لكن لابد من فعل شيء ما”.

وبينما أفكر فيما يمكن فعله، إذ بالحمار يقرر أن يحتج بطريقته الخاصة: تمدّد وسط الطريق ونشر قوائمه وتماوت كأنما ملك الموت باغته. قلت: هذا جيد، والآن عليه أن يصمد، سيمضي لحظة في جحيم دانتي، لكن، إذا صمد دون أن يتراجع، دون أن يتوجّع، دون أن يتضرّع، فحتما سيقلب موازين القوة، وسيفرض بعض شروطه على صاحبه.. والآن، آه.. نزلت الضربة الأولى مثل الصاعقة.. ثم ماذا؟.. انتظرتُ الضربة الثانية.. لكن، فجأة توقف الرّجل عن الضرب، وضع عصاه جانبا، وفكّ حبل العربة عن عنق الحمار، ثم ربت بيده على ظهر دابّته قليلا. وبسرعة رفع الحمار المسكين رأسه وعاد إلى الوقوف ثانية.. لكن.. ما عساه يفعل الآن؟ لا شيء، أحنى رأسه، وهو الشيء الوحيد الذي يتقنه، وانتظر ما الذي سيقرره صاحبه في الأخير.

في هذه الأثناء، أعاد الرجل ربط حماره بالعربة بكل هدوء، وعاد الحمار ليجر أثقاله من جديد.

وبينما كانت العربة تبتعد عني، كانت العصا تنهال مجدّدا على ظهر الحمار، وقد خُيل إليّ أنها أشدّ وطأة هذه المرّة من سابقتها.

24