معركة حماه الشمالية: إستراتيجية روسيا وحساباتها المستجدة

تكثيف الحملة العسكرية وعودة إيران وروسيا للزج بكامل إمكانياتهما العسكرية في المعركة يسبقان عقد جولة جديدة في أستانة بين روسيا وإيران وتركيا.
السبت 2019/08/17
دفاعات المعارضة السورية تنهار في وجه الحملة العسكرية للنظام المدعوم روسيا

بعد أشهر من الصمود في وجه الحملة العسكرية للنظام السوري المدعومة روسيّا، انهارت دفاعات المعارضة السورية في ريف حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي ما مكن النظام من السيطرة السريعة على عدد من البلدات في تلك المناطق. ودفع ذلك العديد من المراقبين إلى التساؤل عن السبب وراء التطورات الأخيرة، خصوصا وأن قوات النظام كانت قد تكبدت خسائر كبيرة خلال الأشهر الماضية من دون تحقيق تقدم ميداني يذكر، وهو ما أشّر حينها على الضعف الهيكلي الكبير الذي بات ينخر بنية قوات النظام.

عزا عدد من قادة الفصائل العسكرية المعارضة التطورات الأخيرة إلى عودة الميليشيات التي تجندها وتدعمها إيران، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، للمشاركة في العمليات العسكرية.

وكانت تلك الميليشيات قد امتنعت عن مساندة قوات النظام السوري وانشغلت بتثبيت سيطرتها في مناطق إستراتيجية في محيط العاصمة دمشق وفي دير الزور على الحدود العراقية، في ظل تنافس محموم مع القوات الكردية في تلك المنطقة. وفي ظل تداعي جيش النظام السوري، أحدثت مشاركة الميليشيات الشيعية تحولا هاماً في سير المعارك.

تكثيف الحملة العسكرية وعودة كل من إيران وروسيا للزج بكامل إمكانياتهما العسكرية في المعركة يسبقان عقد جولة جديدة في أستانة بين روسيا وإيران وتركيا

ولكن السبب الأهم، كما يبدو، هو زج روسيا بقوتها الجوية الضاربة في المعركة وذلك بعد أشهر من التردد بسبب التزاماتها تجاه حليفها التركي. بصورة عامة، تلتزم روسيا بمساعدة النظام السوري على استعادة كافة المناطق الخارجة عن سيطرته.

تبدو المناطق التي تخضع لسيطرة الأكراد والولايات المتحدة من جهة، وتركيا من جهة أخرى، خارج تلك المعادلة ولكن بصورة مؤقتة فقط. بمعنى آخر سوف تقتنص موسكو أي فرصة تلوح في الأفق للسيطرة على تلك المناطق.

خلال الأشهر الأربعة الماضية التي شهدت الهجوم العسكري على ريفي إدلب وحماه من قبل نظام الأسد، خفضت روسيا من مستوى التزامها العسكري تجاه النظام السوري وذلك بسبب حسابات تكتيكية تجاه الجانب التركي. كان الجانبان يعملان على إتمام تسليم صواريخ الدفاع الجوي أس- 400. في نفس الوقت، كانت موسكو تراقب بحذر مفاوضات تركيا مع الجانب الأميركي حول المنطقة الآمنة.

بعد تسليم روسيا لنظام الدفاع الصاروخي لأنقرة، وتوصل الأخيرة إلى اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة بشأن منطقة آمنة في الشمال السوري، دفع ذلك روسيا إلى التحرك العسكري من جديد لقضم عدد من المناطق الإستراتيجية التي لا تشكل استعادتها توترا مع الشريك التركي. استهدفت روسيا ريف حماه الشمال وريف إدلب الجنوبي، وهي مناطق ذات كثافة سكانية منخفضة ولن تنجم عنها موجات نزوح ضخمة تقلق تركيا. في نفس الوقت، لتلك المناطق أهمية إستراتيجية وترتبط استعادتها برغبة روسيا في السيطرة على مدينة إدلب في المستقبل.

ما يجري في ريفي إدلب وحماه هو تكرار لذات الخطة العسكرية التي اتبعها النظام السوري والتحالف الداعم له منذ تدخل روسيا العسكري في العام 2015. وتتمثل الخطة في شن هجوم مركز، بأعداد كبيرة من الجنود، وبتمهيد جوي مكثف تضطلع به روسيا من خلال تقنيات متقدمة كالمراقبة عبر الأقمار الصناعية واستخدام طائرات الاستطلاع.

تكثف قوات النظام السوري والميليشيات الشيعية الهجوم على نقطة أو نقطتين إستراتيجيتين تمكّن السيطرة عليهما من شطر المنطقة الخاضعة للهجوم والتي تسيطر عليها المعارضة إلى قسمين. يؤدي ذلك إلى قطع خطوط الاتصال بين مناطق المعارضة وعزلها عن بعضها البعض.

تبدو المناطق التي تخضع لسيطرة الأكراد والولايات المتحدة من جهة، وتركيا من جهة أخرى، خارج تلك المعادلة ولكن بصورة مؤقتة فقط.

تخضع كل منطقة معزولة لحصار قاس من جميع الجهات بحيث يصبح القتال حتى النهاية هو الخيار الوحيد للمقاتلين، وهو ما يضعف معنوياتهم ويدفعهم إلى القبول بشروط الجانب الروسي والخروج من بلدات سيطرتهم إلى مناطق جديدة في الشمال السوري.

استخدمت روسيا هذه الإستراتيجية القتالية في عدد من المعارك خلال العامين الماضيين، فقطعت أوصال مدينة حلب في العام 2016، وفعلت ذات الأمر في الغوطة الشرقية ودرعا في العامين الماضيين، وانتهت جميع تلك المعارك باتفاقيات استسلمت فيها قوات المعارضة ونقلت نحو الشمال.

في الهجوم الأخير، كثفت روسيا والنظام وإيران الهجوم على كل من بلدات السكيك والهبيط وخان شيخون. جرت السيطرة خلال الأيام الماضية على أول بلدتين ويتواصل الهجوم على خان شيخون، التي ستؤدي السيطرة عليها إلى شطر ريف حماه الشمالي عن ريف إدلب الجنوبي وإطباق الحصار على الأول.

ومن الملاحظ أن تكثيف الحملة العسكرية وعودة كل من إيران وروسيا للزج بكامل إمكانياتهما العسكرية في المعركة يسبقان عقد جولة جديدة في أستانة بين روسيا وإيران وتركيا. هكذا، تحاول الدولتان الداعمتان لنظام الأسد قضم أكبر مساحة ممكنة قبل القمة الثلاثية للضغط على الجانب التركي. لقد بدأت أنقرة تثير مخاوف موسكو وطهران خلال الشهر الماضي، وذلك بسبب توصلها إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية بخصوص إقامة منطقة آمنة، فضلا عن تصعيد دعمها العسكري لفصائل المعارضة السورية. بهذا المعنى، يبدو أن الهجوم سيستمر، بل ويتسارع ويزداد شراسة، قبل اجتماع أستانة الجديد.

8