معركة شرسة في رابطة الكتاب الكويتيين

متابعون يعتبرون أن نتائج انتخابات رابطة الكتاب الكويتيين تشكل انتصارا للجيل الأدبي الجديد.
الجمعة 2019/04/05
فعاليات ثقافية وأدبية ثرية نحتضنها رابطة الأدباء الكويتيين

تعتبر اتحادات الكتاب والروابط الأدبية مؤسسات هامة من حيث مساهمتها في دعم المبدعين من الكتاب وتوفير أطر لهم، سواء أكانت قانونية أو إبداعية أو حتى اجتماعية، لكن أحيانا تحيد هذه المؤسسات عن دورها لتصبح مؤسسة تضييق على الأدباء يقودها أشخاص بعيدون كل البعد عن الكتابة والإبداع، وهذا ما حدث لرابطة الأدباء في الكويت، ولكنها استرجعت عافيتها أخيرا بانتخاب مجلس إدارة جديد ينتظر منه الأدباء الكثير. “العرب” توقفت مع مجموعة من الأدباء الكويتيين لأخذ رأيهم وتطلعاتهم حيال الرابطة بعد الانتخابات الجديدة، وهل يأملون في تغيير جوهري يعيد المشهد الأدبي والثقافي الكويتي إلى وضعه الحقيقي الذي كان عليه سابقاً.

الكويت - في أواخر مارس الماضي عقد مجلس إدارة رابطة الأدباء الكويتيين اجتماعه الأول بعد فوز أعضائه في الانتخابات لتوزيع المناصب الإدارية، وقد أكد الأعضاء على الالتزام التام باللائحة الداخلية للرابطة فيما ذهبت إليه من رعاية الأدباء كافة، والدفاع عن حريتهم، وتأكيد الانتماء الثقافي العربي، وحماية التراث الثقافي للأمة، مع السعي للتجديد ومواكبة المستجدات.

وقد توزّعت المناصب على النحو التالي، حيث أصبح خالد عبداللطيف رمضان أمينا عاما، وحميدي حمود المطيري أمينا للسر، وجميلة عبدالله سيد علي أمينا للصندوق، وعبدالله مانع غليس رئيساً لتحرير مجلة البيان، وعبدالله إسماعيل الفيلكاوي رئيساً للجنة الثقافية، وفهد غازي العبدالجليل رئيساً للجنة الاجتماعية، وأمل عبدالله سالم رئيساً للجنة العلاقات العامة والاتصال، كما تم اختيار سيد هاشم الموسوي رئيساً للجنة الإعلامية.

الطموح إلى التجديد

 لقد عدّ المتابعون نتائج الانتخاب انتصارا للجيل الأدبي الجديد بعد أن كانت الرابطة في اعتبارهم مختطفة منذ 2009، حين تم الاستحواذ عليها من قبل أسماء جاءت من هامش الهامش الثقافي، ثم استطاعت بسبب التكتلات الثقافية، أن تهيمن على المشهد الثقافي والأدبي رغم أن بعضهم لا يمت بصلة للأدب ولا للثقافة، فلا هو كاتب ولا روائي، ولا شاعر.

 ولم يتوقف الأمر على الاستحواذ، بل تجاوزه للتضييق على العمق العربي، وعلى أفق الأدباء البدون، حين اُستبدل مسمى الرابطة من “رابطة الأدباء في الكويت” إلى رابطة “رابطة الأدباء الكويتيين” في إشارة واضحة وصريحة لطرد كل من لا يحمل أوراق هوية وسجل مدني كويتي. ورغم تحفظ البعض على هذا الرأي، حيث شهدت الرابطة حضورا لعرب ولأدباء بدون، ولكن باشتراطات كانت أشبه بالمحسوبيات الخاصة التي تجعل من المبدع وسط معادلة المع والضد.

مع التواصل الجدي بين خبرة الكبار وحماسة الشباب وبث الوعي ستدور العجلة بنحو طيب ومُطمئن ومبشر

كل هذه الملابسات دفعت ببعض الأدباء إلى اعتبار هذه الانتخابات هي أشرس معركة انتخابية مرّت على الرابطة منذ تأسيسها سنة 1964.

في مداخلة أولى للروائي طالب الرفاعي يؤكّد أن الانتخابات الأخيرة في الرابطة شهدت منافسة لافتة، عاداً إياه أمراً إيجابياً بحد ذاته، كما اعتبر أن وجود الشباب شكّل الظاهرة الأجمل في هذا المشهد.

يقول الرفاعي “وصول مجلس إدارة جديد يقول صراحة برغبة الأدباء بتغيير المشهد الثقافي في الرابطة، ومجيء مجلس إدارة يضم مخضرمين والعديد من الشباب هو جد رائع، ومؤكدا أننا في الرابطة وفي الساحة الثقافية الكويتية ننتظر الكثير من هذا المجلس، وننتظر منه أيضاً تقديم وجه جديد لأنشطة الرابطة ولمنتدى المبدعين”.

ويضيف “على الدوام كان العمل الثقافي عنواناً عريضاً للكويت في محيطها الخليجي والعربي، وما أحوجنا في الوقت الراهن إلى إعادة شيء من بريق لوجه الكويت إبداعياً وثقافيا. وأخيراً فإن عددا كبيرا من الأدباء في الكويت أبدى استعداداً كبيراً للتعاون مع المجلس الجديد”، ومؤكدا “إنني أحد هؤلاء. المهمة كبيرة والحلم بحجم هذه المهمة”.

وفي الشأن نفسه تقول الشاعر عائشة العبدالله “قبل عشر سنوات كنت عضوا في منتدى المبدعين في رابطة الأدباء، كنت ومجموعة من الشباب نلتقي هناك نتداول نصوص بعضنا حيث إنه، وحسب علمنا، أن هذا المكان محضن يعيننا على تطوير أنفسنا في مجال الثقافة والأدب. وحين رأينا أمام أعيننا الإقصاء والفصل الذي يُمارس على كل من يختلف من الأعضاء مع مجلس الإدارة توقفنا عن الحضور، وقررنا الابتعاد عن هذا المكان. لم يكن الأمر يتوقف على اختلاف الجنسية فقط، بل على كل من يختلف معهم في أي موقف أو يبدي انتقاده ورفضه للوضع الكائن”.

وتتابع العبدالله “مع ظهور المشاريع الشبابية الخاصة والتي أبدت نشاطا ملحوظا في مجال الثقافة من خلال فعالياتها، مع الأسف كان مستوى فعاليات الرابطة يتراجع إلى الخلف، إضافة إلى ابتعادها عن التفاعل مع القضايا المطروحة واتخاذ مواقف حقيقية كموضوع الرقابة مثلاً”.

تطمح العبدالله مع تغير مجلس الإدارة أن يحدث تغيير حقيقي تشهد من خلاله تطورا ملحوظا ورؤية أدبية جديدة ونهوضا جذريا بعد هذا السبات، لاسيما بوجود شباب أبدى حماسه ورغبته في التغيير ابتداء من إعادة المسمى إلى رابطة الأدباء في الكويت. تقول مختتمة:”نحن نعوّل على تلك الإرادة التي أبدوها لنا ونتأمل في رؤية تعيد لنا الأمل في تلك المؤسسة الثقافية”.

من جهتها باركت الشاعرة مريم العبدلي الفوز، وذكرت بأنه ينتظر من الرابطة الكثير على المستوى الثقافي، ليس المحلي والخليجي وحسب، وإنما على المستوى العربي أيضاً. تقول “لطالما كانت الكويت حاضنة وولّادة لمبدعين من جميع المجالات وخاصة الثقافية، بل وكانت رائدة في هذا المجال على وجه التحديد. نأمل من الإخوة الأعضاء اتخاذ مواقف صارمة وجدية تجاه ما يحدث من تضييق على الساحة الأدبية على المستوى الرقابي، فالأدب والفنون كانا ومازالا المقياس الحقيقي لوعي ونهضة المجتمع”.

معركة الأدباء ليست معركة كراس (لوحة للفنان بسيم الريس)
معركة الأدباء ليست معركة كراس (لوحة للفنان بسيم الريس)

وتضيف العبدلي “ما تعاني منه الساحة الثقافية الكويتية أمر مؤسف ومخجل جداً، خاصة ما حدث من تعسف وتضييق مؤخرا على الإخوة المنظمين لفعالية ‘أسبوع البدون الثقافي’. جميعنا يعلم أن الفنون والآداب لا هوية لهما، وليست حكرا على فئة معينة، ونتمنى من الرابطة دعم مثل هذه الحركات الثقافية والتصدي لأي تضييق ثقافي وأدبي خارج وداخل الرابطة، فدعم المبدعين على اختلاف أعراقهم وجنسياتهم ودياناتهم وانتماءاتهم هو أمر لا يقبل النقاش، ولا يجب أن تغفل عنه مؤسسة بحجم رابطة الأدباء.

وما يحدث سنويا في معرض الكويت الدولي للكتاب من منع لندوات وكتب وكُتاب من دخول الكويت دون أي حراك أمر لا يقبل به الشارع الثقافي خاصة وأن الرابطة سكتت عنه لسنوات طويلة. وكذلك تكريم المبدعين بعد رحيلهم أمر مؤلم، فالكاتب يستحق أن يعيش زهو إنجازاته في حياته. القامات العملاقة أمثال الروائي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل والكبير ناصر الظفيري، أجحفت الرابطة بحقهم كثيرا في حياتهم، لذا نتمنى إنصافهم بعد رحيلهم وهذا أضعف الإيمان”.

من جانبها تعوّل الروائية تسنيم الحبيب بأمل بالغ على العهد المقبل لرابطة الأدباء في الكويت، وتنتظر من هذه الدماء المتجددة الكثير على صعيد العطاء والإنجازات في الرابطة والاهتمام بمستوى الطرح الثقافي وتعزيز الورش ورعاية الموهوبين.

تقول “مع التواصل الجدي بين خبرة الكبار وحماسة الشباب وبث الوعي أتوقع أن تدور العجلة بنحو طيب ومُطمئن ومبشّر. وأرجو بصدق أن يتم التركيز على ما يُعيد للكويت ألقها الثقافي في أزمنة سابقة، إذ كانت موئلا للإبداع العربي، ومشربا لكثير من الأسماء البارزة أدبيا وثقافيا دون حصار حسب الهويات والجنسيات، فالأدب الذي يتم احتكاره بتوجه واحد ويتم خنقه برؤية أحادية أدب مهيض الجناح”.

وتضيف الحبيب “أعتقد أنه حان الوقت ليعود عنوان رابطة الأدباء -كل الأدباء – في الكويت، حتى تنطلق من خلالها الفعاليات المناسبة لكل الشريحة المهتمة بالثقافة والأدب في الكويت، ولتمتزج الجهود لتشكل حراكا نشطا يعود بنا إلى زمن العطاء ويفوقه، فالأدب تعبير، وحتى يصدق هذا التعبير عليه أن يترجم قلق وهمّ المجتمع ككل وكل أطيافه، ويُرفد للمتلقي الأصوات المختلفة بكل تبايناتها. أعمم ذلك على كل صوت أدبي ينطلق من الكويت، وأخص صوت الكاتب من البدون، حيث أؤمن أن من حقه الانتساب للرابطة والانطلاق من خلالها. كما أتمنى من الرابطة أن يكون لها دور فعّال وجاد وفارق في قضية الرقابة في الكويت، والعمل بحزم على فتح نوافذ الحرية الفكرية، وأن يتم احترام المنجزات الأدبية والثقافية دون ممارسة الإقصاء على كل ما هو مختلف، وأن يتوقف السُعار الذي يطال -للأسف- الأنشطة الثقافية والإصدارات والمؤسسات”.

المستقبل بلا إقصاء

يؤكد الروائي حسين المطوع أن فوز قائمة جديدة هو بحد ذاته مؤشر إيجابي دال على انتصار رغبة التغيير بعد حالة عارمة من اليأس أصابت الساحة الثقافية والأدبية في الكويت طيلة السنوات الماضية. يقول “مجلس الإدارة الجديد يعاني حمل تركة ثقيلة خلّفها له سابقه بعد سنوات من الفتور الثقافي، إذ استلم مؤسسة شبه خاوية ومفرغة من أي قيمة أدبية حقيقية. لذلك فالمسؤولية على الإدارة الجديدة أكبر والتحديات أعقد وأصعب، لكن على أعضائها مواجهة هذه الصعوبات وإثبات أحقيتهم في نيل هذا المنصب وإلا ستكون الخيبة عظيمة”.

ويتابع “في البداية، نتطلع جميعنا لتحقيق الوعد الأول الذي صرح به الدكتور خالد رمضان بعد إعلان فوزه مباشرة، حيث وعد الحضور بتغيير المسمى القديم من ‘رابطة الأدباء الكويتيين’ إلى ‘رابطة الأدباء’ لما يحمله الأول من إقصاء لفئة كبيرة من المثقفين المقيمين في الكويت والذين لا يحملون جنسيتها.

المشهد الأدبي والثقافي الكويتي ليس بحاجة إلى من يأخذ بيده إلى الماضي، بل هو بحاجة لمن يأخذ بيديه إلى المستقبل

ستكون عودة البدون والأدباء العرب للرابطة ومشاركتهم الرسمية في المشهد انتصارًا كبيرًا للثقافة، ورسالة مجتمعية تدعو إلى نبذ العنصرية والتفرقة وتطبيق العدالة الاجتماعية”.

وفي الشأن نفسه يرى المطوع أنه بات من واجب رابطة الأدباء اليوم أن تكون صاحبة خطاب إصلاحي في الدولة يبدأ من الثقافة والأدب، يقول: “رابطة الأدباء مطالبة بأن تكون الجهة الأولى الداعية لحريات التعبير بكل معانيها من خلال كتب وأنشطة ثقافية وتجمعات وغيرها، واتخاذ موقف حاسم وصريح في مواجهة الرقابة المتطرفة في الكويت، والتي دمرت العملية الإبداعية. كما نطمح في أن تكون الرابطة حلقة وصل بين الكويت وباقي الدول العربية وغيرها في الشأن الثقافي والأدبي من خلال تنظيم فعاليات مشتركة وتبادل الدعوات”.

من جانبه هنأ الشاعر سعد الأحمد الأعضاء بالفوز، موضحا أن تأكيدهم بالالتزام باللائحة الداخلية للرابطة ليس بالضرورة أمراً إيجابياً، فقد تكون بعض الالتزامات متعلقة بالإدارات السابقة، وهذا ما لا يتوافق –برأيه – مع الفكر أو الموروث الأدبي الكويتي الحقيقي.

يقول الأحمد “التضييق على العمق العربي على أساس الهوية وعلى أفق الأدباء العرب والبدون، حين استبدلوا مسمى الرابطة من ‘رابطة الأدباء في الكويت’ إلى رابطة ‘رابطة الأدباء الكويتيين’ ورغم التحفظ شهدت الرابطة حضورا لعرب ولأدباء بدون، وهذا أمر مفروغ منه لأن الحضور والنجاح وارتفاع الصوت وعدد المتابعين لا يمت للجدران والمباني التي باتت تخذل أصحاب المكان بصلة، إنما يفرضه الأديب الحقيقي على الساحة، وبالتأكيد نطمع بالتغيير ونطمح لذلك ونسعد بأن هناك دماء جديدة على هذهِ الكراسي، لكن ما لا ندركه هو كما نقول بالمثل الشعبي ‘يد واحدة لا تصفق’.

التغيير لا يكون بأصباغ وأثاث جديدة أو عبر توسعات لمبنى الرابطة، ولا حتى في زيادة حجم الأنشطة التي كانت عبر السنين متواضعة والكثير من الجهات الأهلية وشبه الأهلية تفوقت على الرابطة بمراحل، من حيث قوة الفعاليات وحسن التنظيم ونوع الجمهور والحضور والأسماء التي استقطبتها من كل بقاع الأرض، العمل ليس فقط بأيدي الأعضاء المنتخبين إنما هو واجب على كل من يجد في نفسه الرغبة والقدرة على إثراء التغيير الذي نحلم به”.

ويتابع الأحمد “المشهد الأدبي والثقافي الكويتي ليس بحاجة لمن يأخذ بيده للعودة إلى ما كان عليه بالماضي، على العكس تماماً هو بحاجة إلى من يأخذ بيديه إلى المستقبل إلى الطريق الذي لم يصله من قبل، إلى التجربة التي يستحقها هذا الوسط”.

15