معركة على استخدام الحشد الشعبي في الانتخابات العراقية

الحشد الشعبي الذي يعدّ الآلاف من المقاتلين العراقيين الشيعة ومن ورائهم أسرهم وجمهورهم المعجب بـ”إنجازاتهم” في محاربة داعش، سيكون ورقة انتخابية ثمينة قادرة على قلب الموازين في الانتخابات القادمة، وهو بذلك يستحق المعركة التي انطلقت حوله بين المتنافسين على استخدامه.
السبت 2017/12/02
تغيير الوجهة نحو جبهات السياسة

بغداد - لاحت، الجمعة، معالم معركة حامية داخل العائلة السياسية الشيعية، مدارها استخدام ميليشيات الحشد الشعبي في الانتخابات القادمة المقرّرة لشهر مايو المقبل.

ويعدّ الحشد عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة، ويمكن أن يشكّل مع أسر المقاتلين، فضلا عن مناصريه والمعجبين بجهده الحربي في مواجهة تنظيم داعش، قوّة انتخابية قادرة على تحديد الفائز بتلك الانتخابات.

ويمثّل من هذا المنطلق ورقة ثمينة في أيدي عدد من كبار الساسة الشيعة الفاقدين للجماهيرية بفعل فشل تجربتهم في الحكم، من أمثال رئيس الوزراء السابق نوري

المالكي المتحالف مع عدد من كبار قادة الميليشيات، والذي كثيرا ما قدّم نفسه مدافعا عن الحشد.

وبهذه الورقة يستطيع هؤلاء منافسة أعضاء آخرين في نفس عائلتهم السياسية مثل رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الذي يبدو مقبولا لدى الشارع العراقي لما يظهره من سمات اعتدال ومن رغبة في الإصلاح وتجاوز حدّة التقسيمات الطائفية والعرقية، وأيضا مثل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي اكتسب قدرا ملحوظا من الجماهيرية بتبنيه مطالب الإصلاح ومحاسبة الفاسدين.

وبرز العضوان في الحشد أحمد الأسدي وكريم النوري كقطبين للمعركة على استخدامه كورقة انتخابية.

وأعلن الأسدي قبل أيام استقالته من منصب الناطق الرسمي للحشد وتأسيس ما سمّاه “تحالف المجاهدين” في إحالة صريحة على ميليشيات الحشد التي شاركت في الحرب ضدّ داعش، وردّ عليه النوري الجمعة ببيان ناري اتهمه فيه باستغلال “الجهاد” لأغراض سياسية.

واعتبر كريم النوري القيادي في منظمة بدر أحد أبرز فصائل الحشد، أن الجهاد والمجاهدين عنوان كبير لا يمكن إقحامه في الحراك السياسي، معقبا على تشكيل قائمة انتخابية باسم “تحالف المجاهدين”، فيما شدد على أن الجهاد لا يمكن استغلاله لأغراض سياسية تكتنفها ما وصفه بـ”المصالح والمفاسد”.

وعزا مراقب سياسي عراقي الخلافات داخل ميليشيات الحشد الشعبي إلى المصالح أولا وإلى تعدد الولاءات ثانيا.

وقال في تصريح لـ”العرب” إن “الفكرة الأولية التي توحي بأن الحشد انطلق للدفاع عن الملة والطائفة تخفي خلفها مشروعا سياسيا أكثر منه عقائديا، وهذا ما كشفته الخلافات المتصاعدة داخل تلك الميليشيات بمجرد أن تباينت المصالح”.

وأكد أن إيران توصي في خطابها السياسي قادة الحشد باعتبار “الطائفة أولا” وتقديمها على الوطنية للإيحاء بوجود مشروع ديني لهم ولتحريك الغرائز لدى العناصر الشيعية، لكنها في النهاية تدفع إلى مشروع سياسي تحكم من وراءه العراق برمته.

الخلافات في صفوف الميليشيات تكشف أن الحشد الذي انطلق تحت يافطة الدفاع عن الطائفة يخفي خلفه مشروعا سياسيا

وقال إن العراقيين لا يحتاجون مثل هذه الخلافات لاكتشاف الحقيقة الطائفية والسياسية وليست الوطنية التي تحرك الحشد الشعبي، لأنهم عرفوا طبيعة الحشد من الانتهاكات التي ارتكبها في القتل والتهجير في المدن التي اجتاحتها عناصره. أما الخلافات الجديدة فهي كشف للتنافر العميق والمصالح بين مجموعة لا يربطها دافع وطني.

وقال النوري في بيانه المنشور على موقع السومرية الإخباري إن “الجهاد والمجاهدين عنوان كبير لا يمكن إقحامه في الحراك السياسي ومتغيراته، ولا يمكن استغلاله لأغراض سياسية”، مضيفا “أشيع مؤخرا عن تشكيل قائمة انتخابية باسم تحالف المجاهدين بدعوى أنها تضم الفصائل المشاركة في حرب داعش في العراق”.

وتابع النوري “هنا ينبغي الدقة في إطلاق العبارات والنباهة في فهمها واستيعابها بلا عواطف أو مواقف مسبقة”، موضحا بالقول “لست ضد مشاركة المجاهدين والمقاومين في الانتخابات والمساهمة الفاعلة في تصحيح المسار في العملية السياسية”.

وأشار النوري إلى أن “محاولات عزلهم عن الساحة السياسية وإفراغها من الشخصيات المدافعة عن البلاد والعباد، محاولة لإكمال مسلسل الفساد وتعميق الغضب والعتب الشعبيين من ادعاءات السياسيين”، معتبرا أن “المشاركة بالعنوان الجهادي والحشدي باعتباره جزءا من القوات المسلحة ينطبق عليه ما ينطبق عليها”.

وقال النوري “رغم إصراري على مشاركة وإشراك المجاهدين في الانتخابات إلا أن ذلك يحتمل مخاطر غير محسوبة تجدر الإشارة إلى بعضها وهي أن عنوان الجهاد والمجاهدين عنوان كبير لا يمكن إقحامه في الحراك السياسي ومتغيراته، ولا يمكن استغلاله لأغراض سياسية تكتنفها المصالح والمفاسد والأخطاء والأداء المضطرب”.

وتابع “تمثيل المجاهدين والجهاد لا تستأثر به فئة دون غيرها ولا تحتكره طائفة دون أخرى، ولذلك لا يمكن اختزال المجاهدين بقائمة أو شخص فمن خول زيدا أو عمرو تمثيل الجهاد والمجاهدين”، مبينا أن “العملية السياسية تتسم بالمتغيرات والمستجدات المتسارعة والادعاءات المربكة تنعكس تداعياتها على الأحزاب المشاركة في إدارة الحكم، فليس من الصحيح المغامرة بزج المجاهدين في السجال السياسي وهذا لا يمنع من مشاركتهم بالعناوين الحزبية وليس الجهادية”.

وأشار إلى أن “استغلال الجهاد والتضحيات والانتصارات لأغراض استقطابية وانتخابية إساءة واضحة لعنوان الجهاد المقدس”، مبينا أنه “ليس بالضرورة أن من يفقه المقاومة والجهاد ويحسن أداءهما سينجح في الميدان السياسي ومتغيراته، لكن لا بد من اختيار العناصر الكفؤة والنزيهة القادرة على أداء أدوارها السياسية كما نجحت في دورها القتالي”.

وحذر النوري “من استغلال التضحيات والدفاع عن العراق لتحقيق مآرب سياسية ومحاولة الغمز بعدم دفاع الآخرين عن العراق واستخدام المنة والتفضل على الآخرين من خلال التفوق والتميز في الأداء الجهادي”، مؤكدا “ضرورة إشراك المقاتلين والمجاهدين في العملية السياسية بعنوانهم الحزبي والسياسي وليس بالعنوان الجهادي لكي لا ينعكس سوء الأداء وتقدير الموقف على سمعة الجهاد في ساحة مضطربة ومتذبذبة”.

ودعا النوري إلى “تشكيل الائتلافات والتحالفات بعيدا عن إملاءات وتأثيرات ممن لا يفقه المزاج الشعبي وليس بقادر على تشخيص الأولويات”، مؤكدا “أهمية أن يأخذ المجاهدون دورهم السياسي بصفتهم مجاهدين زاهدين بحطام الدنيا ولكنهم مستقيمون في النهج السياسي كما كانوا في النهج الجهادي وبذلك يؤكدون أهدافهم في العملية السياسية كما أكدوها في ساحات الجود بالأنفس”. وبين أن “جهاد السياسة وجهاد البناء لا يقل أهمية ولا خطورة عن جهاد التضحيات، بشرط الإخلاص والمحافظة على الأهداف”.

3