معركة قندوز تؤكد انقلاب موازين القوى لصالح طالبان في أفغانستان

سيطرة طالبان على مدينة قندوز شمالي أفغانستان خلفت تداعيات تتجاوز أهمية موقعها الجغرافي الاستراتيجي نظرا لكونها البوابة المطلة على آسيا الوسطى. ويجمع المراقبون على أن هذه الحادثة أعادت الورقة الأفغانية إلى الأجندة الدولية، بعدما احتلت أزمات الشرق الأوسط بفعل زخم داعش، صدارة الاهتمام العالمي.
السبت 2015/10/03
طالبان لا تخيفها تهديدات كابول وحلفائها

كابول - أبدت حركة طالبان مقاومة في مواجهة القوات الأفغانية في قندوز الجمعة بعد يوم من محاولة القوات الحكومية استعادة السيطرة على معظم أنحاء المدينة الشمالية التي سقطت في قبضتها، في أكبر نصر لها منذ بدء تمردها قبل 14 عاما.

وفي إشارة إلى الصعوبات التي تواجهها السلطات الأفغانية في سعيها لاحتواء تهديد المتشددين المتنامي حققت طالبان مكاسب على الأرض في أنحاء متفرقة من البلاد وإن كان على نطاق أفل من استيلائها على هذه المدينة.

فقد زادت الحركة من معاناة كابول التي لم تفق على ما يبدو من صدمتها، وبعد خمسة أيام من اقتحام المئات من المتطرفين لقندوز، تبنت إسقاط طائرة عسكرية أميركية من نوع “لوكهيد إيه سي 130” في مدينة جلال آباد شرق البلاد، فجر أمس.

وأودى الحادث بحياة 14 عسكريا، من بينهم أفغانيان كانا موجودين على الأرض أثناء سقوطها، وفقا لما قاله العقيد براين تريبوس، المتحدث باسم القوة الأميركية المتمركزة في أفغانستان.

لكن الجيش الأميركي الذي مازال ينشر بضع آلاف من قواته في البلاد بعد انتهاء المهمة القتالية لحلف شمال الأطلسي، أكد أنه لم ترد تقارير عن نيران معادية ووصف التحطم بأنه حادث.

وبالتوازي مع ذلك، قال ناويد فوروتان وهو متحدث باسم حاكم إقليم بدخشان في شمال شرق البلاد، إن طالبان سيطرت على منطقة واردوج في الإقليم في وقت متأخر أمس الأول بعد قتال عنيف.

خبراء: سيطرة الحركة على قندوز، لن يدعم فقط زعيمها الجديد، بل سيشكل حافزا لها لاستعادة زخمها في أنحاء البلاد

وتحتل هذه المنطقة موقعا استراتيجيا على طريق سريع يؤدي إلى الحدود مع طاجيكستان ولها حدود أيضا مع الصين وباكستان. وكل هذه التحركات تثير المخاوف من نزوح جماعي جديد في البلاد.

ولم يتأكد بعد ما إذا كانت الجيش الأفغاني المدعوم بقوات خاصة والمسنود من سلاح الجو التابع لحلف شمال الأطلسي قد أعاد السيطرة على خامس أكبر مدن شمال البلاد، وسط تضارب في الأنباء الواردة من هناك حول أعداد القتلى والمصابين من الطرفين.

الحكومة لم تقر فقط في وقت سابق بسيطرة طالبان على المدينة، بل أكدت ضعف قواتها، حيث أشار وزير الداخلية صديق صديقي إلى أن “قوات الأمن كانت مستعدة لصد أي هجوم ولكن ليس بهذا الحجم، فقد كان هجوما متزامنا على عشرة مواقع”.

الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحسب لكابول، هو إعلان جهاز المخابرات في بيان صدر في وقت متأخر الثلاثاء الماضي، أن ضربة جوية قتلت مولوي سلام الذي نصبته طالبان واليا على إقليم قندوز.

وتتحدث تقارير عن تلقي حكومة أشرف غاني تحذيرات منذ أشهر تفيد عن تحركات لطالبان في المناطق المحيطة بالمدينة، وتأكد ذلك عند محاولتها اقتحام المدينة مرتين هذا العام.

وبينما يسعى الجنود وأفراد الشرطة إلى طرد مقاتلي طالبان، طمأن المسؤولون المحليون السكان الذين ظلوا في منازلهم منذ الاثنين الماضي بأن الحياة في المدينة ستعود قريبا إلى طبيعتها.

وكان مقاتلو طالبان قد سيطروا على قندوز بعد أن شنوا هجوما جريئا على المدينة منزلين أكبر انتكاسة بالرئيس الأفغاني منذ أن تولى السلطة قبل عام، وهو أسوأ هجوم منذ أن غادرت معظم القوات الأجنبية أفغانستان العام الماضي.

وسمح سقوط قندوز بيد طالبان للكثيرين بمقارنتها بمدينة الموصل العراقية، حيث يعتقدون أن إطالة الحركة للسيطرة عليها لأشهر أو لسنة، يعني تكرار تجربة مدينة الموصل التي سقطت بيد تنظيم الدولة الإسلامية وما خلفته من تداعيات، على الرغم من الفروق في حالة سقوط المدينتين.

ويقول خبراء في الشأن الأفغاني إن سيطرة الحركة على إحدى أغنى المدن الأفغانية، لن يدعم فقط زعيمها الجديد الملا أختر منصور، بل سيشكل حافزا لها من أجل استعادة زخمها في كافة أرجاء البلاد.

11 جنديا أميركيا لقوا مصرعهم في تحطم طائرة نقل عسكرية تبنت إسقاطها طالبان

ولفتوا أيضا إلى أن ما قامت به الحركة يعد رسالة “قوية” إلى كابول وحلفائها الغربيين والإقليميين بأن عملية السلام “المنشودة” انتهت.

والتحدي الأبرز الذي ينتظر طالبان هو الحفاظ على المدينة وطريقة حكمها، إذ أن ذلك من شأنه أن يظهر ما إذا كانت عقيدة الحركة قد تغيرت منذ طردها من حكم البلاد في 2001.

وتبرز أهم مؤشرات هذا التغير، بحسب الخبراء، مسارعة الحركة إلى طمأنة السكان الذين باتوا يعانون من نقص في احتياجاتهم اليومية، عندما أعلنوا عبر تغريدات في توتير بأن مسلحيها “جاؤوا في سلام”.

واستخدمت طالبان مواقع التواصل الاجتماعي لنشر صور ومقاطع فيديو من داخل المدينة تؤكد سيطرتها عليها، الأمر الذي صدم سكان المدن والأقاليم الذين كانوا يظنون أنفسهم بمأمن عن المعارك الدائرة في الأماكن البعيدة والنائية.

ويبدو أن الغرب لن يسمح بتكرار هذا الأمر ولهذا عاد الأميركيون لدعم القوات الأفغانية بعد رحيل الرئيس السابق حامد كرزاي الذي كان ينتقد الناتو بعنف، وبدؤوا في إحياء فكرة بقائهم لأطول فترة ممكنة حتى عودة الأمن والاستقرار إلى البلاد.

الفكرة نفسها تخامر موسكو حتى قبل حصول ما حصل، عندما أعلن مدير قسم آسيا في وزارة الخارجية الروسية زامير كابولوف، مطلع الشهر الماضي، أن بلاده تدرس مسألة تقديم مساعدات عسكرية إلى أفغانستان.

ولقندوز ذكرى سيئة لدى الدول التي دخلتها، فهي أول مدينة كبرى سقطت عام 1980 بيد الجهاديين بعد انسحاب الجيش السوفيتي من البلاد وقطعوا التمويل والدعم المادي عن الجيش الأفغاني آنذاك.

5