معركة كسر عظم بين عمالقة التكنولوجيا: المزايدة على العقول

أصحاب رأس المال المغامر في حالة بحث مستميت عن مواهب الذكاء الاصطناعي، من أجل بناء الجيل التالي من شركات التكنولوجيا المستقلة. وينظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه واحد من أهم التكنولوجيات الجديدة خاصة في ظل نقص المواهب في هذا المجال.
السبت 2016/02/13
جياناندريا.. طموح زعماء الذكاء الاصطناعي

لندن - عيّن جون جياناندريا في منصب رئيس وحدة البحث بشركة غوغل، وهي خطوة تكتيكية متميزة لخوض الحروب الجديدة في مجال البحث.

وقدم أميت سينغال المنتهية أشغاله على رأس وحدة البحث في غوغل، عملا هائلا مكن الشركة من التفوق في تحديها لمايكروسوفت وياهو وشركات أخرى ودخول التاريخ، لكن الحرب العالمية القادمة بين محركات البحث لن تتم على أساس الأفضلية.

وقال رئيس شركة غوغل إريك شميدت جملته الشهيرة “الكثير من الناس يعتقدون أن منافسينا الرئيسيين هما ‘بنغ’ أو ‘ياهو’. ولكن في الحقيقة أكبر منافس لنا في مجال البحث هو أمازون”.

وإذا كانت نتائج بحث أمازون قدمت جردا لأكبر وأفضل المنتجات، حيث يعتقد عدد كبير من المستخدمين أنها تفعل ذلك، فإن غوغل تدرك أنه ينبغي عليها التأكد من أنها تقدم أفضل المعلومات الممكنة في كل المجالات الأخرى لتبقى في دائرة المنافسة.

وليس من قبيل الصدفة أن الموجات الأخيرة التي حقّقتها غوغل في مجال الذكاء الاصطناعي تدين بالكثير لعمليات الاستحواذ على الشركات الناشئة.

وجلب جون جياناندريا، وهو خبير في مجال الذكاء الاصطناعي ومولود في أسكتلندا، الأسبوع الماضي أخبارا عن وجود نظام من “ديب مايند”، وهي شركة بريطانية اشترتها غوغل قبل عامين، تمكن من هزم البطل البشري في لعبة اللوحات “Go”. ونظرا لتعقيد التحدي، أثارت الهزيمة اهتماما في قطاع الذكاء الاصطناعي.

وإلى حد كبير اعتمد التقدّم في الأعوام الأخيرة على الكثير من الكنوز الدفينة من البيانات والقدرة الهائلة للكمبيوترات، وكلاهما مطلوبان “لتدريب” أنظمة تعلّم الآلات، والشركات الكبيرة تملك هذه الأشياء بصورة فائقة.

ومثلا يمثل تحديث البيانات مثل علامة “هومينغ بارد” (الطائر الطنان) تحولا في طريقة معالجة غوغل لنتائج البحث، ليس فقط في الترتيب الذي يتم إعادته. ويسعى محرك البحث الذي وضع ثقته في جياناندريا إلى اغتنام هذه الفرصة لأبعد الحدود.

وتاريخيا اعتمدت غوغل على الكلمات الرئيسية في استفسارات الباحثين عبر نسخ البيانات على صفحة الويب من أجل تحديد أهميتها، وبعبارة أخرى، معرفة ما إذا كانت صفحة الويب تجيب عن أسئلة المستخدمين.

مجموعة صغيرة من الجامعات في الولايات المتحدة، إلى جانب جامعتين في المملكة المتحدة، تخرج نوع المواهب المطلوب

وجعلت إجابات غوغل الغنية أجوبة ياهو والمواقع المشابهة أقل انتشارا. وإذا كان الباحث يريد إجابة بسيطة ومختصرة على استفساره، فمن الأفضل أن تكون مثل هذه الإجابة على رأس قائمة نتائج البحث، لتنتفي الحاجة إلى المزيد من النقر. وإذا كان الباحث يريد شيئا آخر فليس أمامه سوى النقر على نتيجة أخرى، وهو ما أدى إلى إضعاف مواقع “كي أند إيه” المتخصصة في نقل أخبار حركة المرور وخلط نتائج البحث عليها.

نظام رانك براين الذي قدمه جياناندريا ونظام “هومينغ بارد” الذي ابتكره سينغال في العام 2013، يكشفان القدرة على التمييز بين أفضل النتائج المرجحة بالنسبة إلى الباحث، ليس على أساس النسخ المثبتة على صفحة الويب بل على أساس غرض الباحث.

ويستخدم هومينغ بارد عملية الجمع بين المفاهيم لتحديد الجواب المحتمل على السؤال بدلا من إعادة ترديد هذه المسألة. وطبّق نظام رانك براين هذا المبدأ على استفسارات البحث التي لم يتم طرحها من قبل، والتي تصل إلى أكثر من 15 بالمئة من الاستفسارات التي يتم استخدامها كل يوم.

ويبيّن تعيين جياناندريا جدية غوغل في تقديم ما يحتاجه هؤلاء الباحثون، وهم مجموعة رئيسية من المستخدمين، ما إذا كان محرك البحث يسعى إلى تجاوز التحدي مع أمازون.

وفي العام 2012 ذكرت مؤسسة فورستر للأبحاث أن 39 بالمئة من مشترياتها بدأت من خلال البحث على موقع أمازون مقابل 11 بالمئة فقط عبر أكبر محرك غوغل.

إريك شميدت :في الحقيقة أكبر منافس لنا في مجال البحث هو أمازون

وتعرف شركة غوغل أن مستخدميها ينظرون إلى نتائج البحث لديها من أجل الحصول على معلومات لا يمكن لأمازون أن توفرها لهم، ولكن في حرب البقاء بين محركات التجارة الإلكترونية، تمكنت أمازون من التفوق على منتج غوغل أدوردس.ويوضح استثمار غوغل في الذكاء الاصطناعي أن الشركة جادة في اللعب بقواعد نظامها التقني.

وينظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه واحد من أهم التكنولوجيات الجديدة للأغراض العامة، أي أنه شيء يمكن استخدامه لتعزيز الناتج في أي عملية حوسبة تقريبا. لكن نقص المواهب في هذا المجال يعني أن الفجوة بين ما هو موجود وما هو غير موجود في عالم الذكاء الاصطناعي في خطر أن تصبح أوسع.

ومن أعراض اتساع الفجوة شراء مايكروسوفت، لشركة سويفتكي (Swiftkey) البريطانية التي يُستخدم تطبيق لوحة المفاتيح الخاص بها الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالكلمة التالية التي سيطبعها مستخدم الهاتف الذكي. ولم تكن سويفتكي قادرة على بناء عمل جذاب لجعله يستحق رفض عرض مايكروسوف البالغ 250 مليون دولار.

ويقول جيم براير، المستثمر في فيسبوك، “إن جزءا مهما من عمله الآن ينطوي على محاولة إغراء أفضل العقول في مجال الذكاء الاصطناعي لرفض العمل لدى الشركات القائمة لأجل العمل في عالم الشركات الناشئة”.

وتنقل صحيفة فايننشيالتايمز البريطانية عن براير قوله “لا توجد سوى مجموعة صغيرة من الجامعات في الولايات المتحدة، إلى جانب جامعتي أكسفورد وكامبريدج في المملكة المتحدة، تُخرج هذا النوع المطلوب من المواهب، على الرغم من أن جامعة تسينغهوا في بكين تعمل جاهدة على وضع نفسها على الخارطة العالمية”.

ولكن المرحلة الأخيرة من الإنتاج في مجال الذكاء الاصطناعي هي التي سيكون لها تأثير مباشر أكثر على حظوظ الشركات على مدى الأعوام الخمسة المُقبلة. وهذا يجعل عمليات الاستحواذ، بمثابة مؤشر مهم.

وكذلك تملك المجموعات الكبيرة حوافز مالية قوية للمزايدة على أفضل العقول.

وبفضل انتشار الهواتف الذكية وخدمة السحابة، يقول براير، إن الشركات الصغيرة تستطيع الآن بناء جماهير عالمية فورية كبيرة بما فيه الكفاية لجذب المهندسين الذين يريدون إحداث فرق في العالم، على الرغم من أن هذا لم يكن كافيا لإبقاء شركات مثل سويفتكي مستقلة.لكن في الوقت الحالي، هناك مجموعة صغيرة من الشركات الكبيرة يبدو أنها تفوز في الحرب من أجل المواهب.

الشركات الصغيرة تستطيع الآن بناء جماهير عالمية فورية كبيرة بما فيه الكفاية لجذب المهندسين الذين يريدون إحداث فرق في العالم

وإذا كان هذا يشير إلى اتساع فجوة الذكاء الاصطناعي في عالم التكنولوجيا على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، فينبغي أن تكون الأخبار أيضا مثيرة للقلق بالنسبة إلى الشركات في قطاعات أخرى. وأصبح من المعتاد الآن بالنسبة إلى المسؤولين التنفيذيين في جميع مناحي حياة الشركات إعلان أنفسهم أنهم شركات برمجيات في الوقت الذي يواجهون فيه ارتفاع تهديد التعطيل الرقمي.

ولكن كم عدد الشركات التي ستتحوّل إلى شركات في مجال الذكاء الاصطناعي؟ باستثناء شركة آي بي إم، وهي شركة عالمية متعددة الجنسيات تعمل في مجال تصنيع الكمبيوترات والبرمجيات وتطويرها، فإن معظم شركات التكنولوجيا الكبيرة تستوعب هذه التكنولوجيا بداخلها وتستخدمها لتعزيز أعمالها بدلا من بيعها إلى شركات أخرى.

توماس واتسون، الذي بنى شركة آي بي إم لتصبح واحدة من أقوى الشركات في القرن العشرين، غالبا ما يتم الاستشهاد به لأنه توقع بأن لن يكون هناك طلب سوى على خمسة أجهزة كمبيوتر في العالم. ويبدو من شبه المؤكد أن حديث واتسون قد تم تحريفه، إلا أن القصة لطالما صمدت باعتبارها الأنموذج النهائي لقصر النظر في مجال التكنولوجيا.

ولكن بالنظر إلى طموح زعماء الذكاء الاصطناعي اليوم، فإن تنبؤ واتسون يمكن أن يكون صحيحا منذ البداية وحتى الآن.

18