معركة لتفكيك قبضة الاحتكار في سوق الحديد المصرية

جهاز حماية المستهلك في مواجهة نفوذ لوبي المنتجين، وسط مخاوف من تعطيل حركة البناء في ظل ضعف الرقابة الحكومية.
السبت 2018/03/31
سياج يعترض أنشطة البناء المصرية

القاهرة – أطلق جهاز حماية المستهلك في مصر صفارات الإنذار من خطر الممارسات الاحتكارية في أسواق الحديد وتقدم بشكوى رسمية إلى السلطات تتهم الشركات المنتجة باحتكار تلك السلعة الاستراتيجية والتلاعب بالأسعار بهدف تحقيق أرباح على حساب المستهلكين وعموم الاقتصاد المصري.

يحاول منتجو وتجار الحديد في مصر التهرب من الاتهامات المتصاعدة بشأن موجة التضخم في الأسعار، بعد تقديم جهاز حماية المستهلك بشكوى لفتح تحقيق في الممارسات الاحتكارية المهيمنة على السوق.

وأكد عاطف يعقوب رئيس الجهاز لـ“العرب” أنه تلقى شكاوى كثيرة تفيد بتضرر المواطنين وشركات البناء من ارتفاع أسعار الحديد دون أسباب مقنعة.

وأشار إلى أن أصحاب المصانع يتعمدون خفض الطاقات الإنتاجية التي تبلغ حاليا 7 ملايين طن سنويا، رغم أن الطاقة الإنتاجية القصوى تتراوح بين 11 و12 مليون طن سنويا.

وقفزت أسعار حديد التسليح في الأسواق المصرية بشكل مفاجئ من نحو 695 دولارا إلى مستويات تصل إلى 725 دولارا دون أسباب واضحة.

عاطف يعقوب: المصانع تعمدت خفض طاقتها الإنتاجية لرفع أسعار الحديد في السوق
عاطف يعقوب: المصانع تعمدت خفض طاقتها الإنتاجية لرفع أسعار الحديد في السوق

وعزا المنتجون تلك الزيادة إلى ارتفاع أسعار خام “بليت” الذي يتم استيراده من الخارج نتيجة ارتفاع الأسعار في البورصات العالمية بنحو 30 دولارا لتصل إلى 570 دولارا للطن.

وخام “بليت” عبارة عن مربعات من الحديد التي يتم صهرها في أفران المصانع ويتم سحبها على هيئة قضبان أو لفائف تستخدم في عمليات البناء والتشييد.

وتعد صناعة الحديد من الصناعات القائمة على الحماية، إذ تفرض القاهرة رسوم إغراق على منتجات الصلب التركية والأوكرانية والصينية لدعم الإنتاج المحلي.

وأدت الرسوم إلى غضب أنقرة، حتى في أكثر الأوقات حميمية بين البلدين خلال فترة حكم الإخوان المسلمين. وصدرت كذلك انتقادات من الجانب الأوكراني والصيني.

ويرى محللون أن رسوم الحماية تتنافى مع قواعد اقتصاد السوق وتعطي صناعة الحديد المحلية مسكنات تعرقل نموها على أسس مستدامة وتقوض قدرة صناعة الحديد المحلية على المنافسة في الأسواق العالمية.

وعبر يفجيني كيريلينكو سفير أوكرانيا السابق في القاهرة عن غضبه الشديد من معاملة القاهرة، في ظل استمرار فرض رسوم جمركية على الصلب القادم من بلاده.

وقال في تصريح لـ“العرب” إن الحكومة المصرية “تعرقل التجارة مع أوكرانيا رغم أننا لم نوقف تدفق السياحة الأوكرانية إلى مصر حتى في أصعب اللحظات”.

واتهم خالد البوريني، عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات المعدنية السابق، “الشركات المنتجة بارتكاب ممارسات من شأنها رفع الأسعار على المستهلكين والبحث عن زيادة الأرباح بأي ثمن”.

وأوضح لـ“العرب” أن شحنات “بليت” يتم التعاقد على استيرادها قبل 45 يوما من دخولها السوق المصرية، وبالتالي فإن الزيادة الحالية لسعر الحديد غير مبررة، والشحنات الجديدة ذات الأسعار المرتفعة لم تصل إلى السوق حتى الآن.

وأكد أن تسعير الحديد لا يخضع للرقابة، وأنه يتم من خلال مجموعة الشركات المنتجة التي وصفها بأنها “لوبي” يستهدف المبالغة في تحقيق الربح.

ويبلغ عدد مصانع الحديد المصرية 27 مصنعا وتنتج نحو ثمانية ملايين طن سنويا، طبقا لبيانات غرفة الصناعات المعدنية بينما قدرها جهاز حماية المستهلك بنحو سبعة ملايين فقط.

ونفى رفيق الضو، عضو غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية في حديث مع “العرب” شبهة الاحتكار عن الشركات وبرر ارتفاع الأسعار بارتفاع تكاليف الإنتاج خلال الفترة الماضية.

وقال إن “صناعة الحديد من الصناعات كثيفة رأس المال، وتبلغ التكلفة الاستثمارية للمصنع الذي تصل طاقته الإنتاجية إلى مليوني طن سنويا نحو 1.5 مليار دولار، بينما لا تتجاوز أرباحه السنوية حاجز الـ140 مليون دولار”.

أحمد الزيني: إلغاء رسوم الإغراق عن الحديد التركي والأوكراني والصيني يحل الأزمة
أحمد الزيني: إلغاء رسوم الإغراق عن الحديد التركي والأوكراني والصيني يحل الأزمة

ويتم استيراد نحو 85 في المئة من مدخلات صناعة حديد التسليح من الخارج، سواء في شكل مربعات “بليت” أو خردة الحديد.

وتوقع وسام عيسى، عضو جمعية مستثمري السادس من أكتوبر، ارتفاع أسعار العقارات بنحو 30 في المئة خلال الأشهر الست المقبلة، نتيجة الارتفاعات المستمرة في أسعار الحديد والإسمنت.

وقال لـ“العرب” إن “شركات العقارات تواجه مشكلة كبيرة حاليا في بيع الوحدات السكنية ذات المساحات الكبيرة، أما الوحدات الصغيرة والمتوسطة فتشهد نشاطا نسبيا”، ورجح تفاقم ركود السوق مع قرب فرض زيادات جديدة في أسعار الوقود.

وأكد وزير الكهرباء محمد شاكر لـ”العرب” التزام الوزارة بخطة ترشيد الدعم وقرب فرض المرحلة الثالثة من خفض دعم الطاقة في شهر يوليو المقبل.

ويرى أحمد الزيني رئيس شعبة مواد البناء في غرفة القاهرة التجارية أن الحل الأمثل لمواجهة الممارسات الاحتكارية لمصانع إنتاج الحديد يتطلب إلغاء رسوم الإغراق على الحديد المستورد من تركيا وأوكرانيا والصين.

واعتبر أن تحديد السعر العادل ينبغي أن يترك لحرية المنافسة وآليات العرض والطلب. وقال لـ“العرب” إن “منع الاستيراد يفاقم المشكلة ويسمح للمصانع بفرض الأسعار التي تحقق أرباحها المستهدفة”.

وأكد أن اتهامات المصانع للتجار برفع الأسعار حجة واهية، لأن هامش الربح يتحقق مع بيع الكميات الكبيرة.

11