معركة لي ذراع بين السلطة والقضاء في الجزائر

نقابة القضاة تستنكر حملات التضييق وتهدد بتدويل أزمتها.
الأحد 2020/03/29
القضاة في قلب المعركة

دخل الجهاز القضائي بالجزائر في أزمة غير مسبوقة، بسبب القبضة الحديدية القائمة بين قضاة ومحامين من جهة والسلطة الوصية من جهة ثانية، في واحدة من امتدادات الأزمة السياسية التي تخيم على البلاد، وبات تدويل الأزمة مؤشرا بارزا على انفلات الوضع من أيدي السلطة.

الجزائر - هدّدت النقابة الوطنية للقضاة في الجزائر بتدويل الوضع الذي يعيشه القضاء في البلاد، بسبب ما أسمته بـ”إمعان السلطة الوصية في تأزيم القطاع والاستيلاء على مهام القاضي وصلاحياته”، في إشارة لما بات يعرف بـ”قضاء الهاتف” الذي يدير الجهاز وفق الأهواء والمصالح.

ووصف بيان النقابة الذي تحصلت “العرب” على نسخة منه، بـ”الفوضى القضائية”، وهي مفردة مستحدثة في الجهاز الذي يمثل أحد أبرز السلطات والمؤسسات، ولم يتوان في التهديد بـ”طلب دعم الهيئات القضائية الدولية لرفع الضغوط التي يعرفها الجهاز”.

واستغرب بيان أكبر نقابات القضاة في الجزائر، قرار إحالة أحد زملائهم في محكمة تيارت بغرب البلاد، على السّجن المؤقّت، بدعوى تسليم ملفّات حساسة لأحد الإعلاميين المعارضين للسلطة والمقيم حاليا بباريس، وممّا أسمته بـ”الحملة المغرضة” التي تشنّ ضد زميلهم.

ونفى البيان أن يكون مساعد النائب العام في مجلس قضاء تيارت متورط في أيّ ممّا يسوّق له في بعض الوسائط الإعلامية، وشدّدت على أن التحقيقات لم تصل إلى أيّ معلومة توحي إلى تواصل الرجل مع الإعلامي المذكور (عبد الرحمن سمار).

وشجبت ما وصفته بـ”تصفية الحسابات داخل الجهاز القضائي، على خلفية نشاط زميلهم في الفرع النقابي المحلي”، واعتبرت سجنه المؤقت قرارا “كيديا” و”مؤامرة” للإطاحة به والإساءة إلى العاملين في الجهاز الذين لا يتخندقون وراء توجهات السلطة الإدارية.

وجاءت خطوة النقابة التي توصف بـ”المهادنة”، خاصة بعد ثني القضاة عن الإضراب الذين شنّوه خلال الأشهر الماضية، تحت ضغط الحكومة، لتضاف إلى بوادر انفلات الوضع الداخلي من أيدي السلطة، خاصة بعد ظهور مؤشرات على تركيز المنظمات والهيئات القانونية والحقوقية نشاطها على الوضع في الجزائر.

دخول العفو الدولية والبرلمان الأوروبي على خط الأزمة يفاقم متاعب السلطة في احتواء الاضطرابات السياسية

وكانت منظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي، قد دخلت على خط الأزمة التي بدأت بـ”المحاكمة المثيرة” للمعارض السياسي كريم طابو، حيث أصدرت الهيئتان بيانين منفصلين، يحض السلطة الجزائرية على إعادة محاكمة الرجل، وعلى وقف التحرش تجاه سجناء الرأي. وهو التدخل الذي سيزيد من متاعب السلطة في احتواء تداعيات الاضطرابات السياسية في البلاد، رغم الهدنة المعلنة بين طرفي الصراع بسبب تفشّي وباء كورونا، خاصة وأن حالة غضب شديدة سجّلت لدى المحامين، لاسيما ما يعرف بهيئة الدفاع عن معتقلي الرأي.

وفضلا عن المحاكمة المذكورة، فإن محكمة العاصمة قررت إحالة الإعلامي خالد درارني، على السجن المؤقت، بعدما كان رهن الرقابة القضائية، ليضاف بذلك إلى نشطاء آخرين تقرر سجنهم مؤقتا بتهم التحريض على التجمهر وتهديد الوحدة الوطنية، على غرار سمير بلعربي وسليمان حميطوش.

وتواجه السلطة تحديات معقدة، فهي على رغبتها في إنهاء الاحتجاجات السياسية بشتّى الوسائل، حتى ولو كانت بتوظيف المقاربة الأمنية والقضائية، بدأت حدة الغضب تتصاعد في الشارع نتيجة اختلالات تسيير الأزمة الصحية.

وفيما تتصاعد الأصوات في الداخل والخارج لإخلاء السجون من نزلائها خاصة سجناء الرأي، لتفادي أيّ انتشار للوباء في تلك الأوساط المغلقة، شنّ موظفو المشفى الحكومي ببوفاريك (محافظة البليدة)، وقفة احتجاجية تنديدا بالأوضاع السائدة في المشفى وغياب الإمكانيات والوسائل، ونفس الانطباع سجل في العديد من مشافي البلاد، فضلا عن تسجيل نقص لافت في التموين ببعض المواد الأساسية على غرار الدقيق (الطحين).

وطفا إلى السطح سجال غير مسبوق بين هيئة الدفاع عن موقوفي الحراك وبين النيابة العامة لمجلس قضاء العاصمة، مما وضع الجهاز برمّته في موقع حرج وأبان عن اختلالات مرشحة لأن تكون فتيل غضب يبقى صامتا بسبب وباء كورونا، لكنّه ينذر بانفجار غير مسبوق.وتبادل الطرفان تهم “الكذب والتزوير والبهتان”، وهي مصطلحات دخلت حديثا في خطاب الهيئات القضائية الجزائرية، الأمر الذي يوحي بتوسع دائرة الأزمة وتدهور الثقة بين طرفي الصراع في الجزائر (السلطة والشارع)، ولا يستبعد أن يكون فتيلا لموجة جديدة من الغضب الاجتماعي في البلاد.

واضطرت النيابة العامة لمجلس قضاء العاصمة، إلى إصدار بيانين منفصلين لتبرير محاكمة المعارض كريم طابو، لكن ردّ هيئة الدفاع عن موقوفي الحراك كان يأتي قويا في كل مرة، وهدد برفع دعوى قضائية ضد هيئة المحكمة، لإصلاح ما وصفته بـ”الانحراف غير المسبوق في تاريخ القضاء الجزائري”.

وأبقت على جميع الخيارات مفتوحة أمامها، إن لم يتدخل رئيس الجمهورية لإبطال الحكم، على اعتبار أنه القاضي الأول في البلاد، والدستور يكفل له التدخل في عدة مسائل قضائية للبت فيها.

2