معركة.. والرابح هو الإنسان

سلطة التكنولوجيا أضحت متمكّنة من حياة الإنسان وغزت كافة مناحي الحياة حتى أنه لا يمكنه الاستغناء عنها الآن في أبسط العمليات الحسابية.
الثلاثاء 2018/05/08
مراسم دفن لروبوت ياباني

محمد بن امحمد العلوي

على الرغم من أن هناك من يتوجّس من المخاطر الناجمة عن الإفراط في استخدام التكنولوجيا في كافة مناحي الإنسان إلى حدّ إلغاء وظائفه في الحياة اليومية، إلا أنه في الوقت الراهن والمستقبل القريب لا يمكن صياغة كلمة تخوّف بشكل مرضي للتعامل مع كل المجالات والظواهر التي تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي تتميز بالدقة والفعالية والسرعة في أداء مهماتها ومن بينها الروبوت.

أصبحت الحاجة ملحّة إلى هذه الأنظمة المبتكرة في مجالات كانت تعدّ حكرا على البشر فقائد طائرة مقاتلة مثلا يحتاج إلى مساعدة مستمرة وأكيدة من طرف أنظمة ذكية لمساعدته في بيئة حرب على قيادة طائرة شديدة التعقيد لا يمكنه قيادتها بمفرده، وأقول هنا قيام هذه الأنظمة الذكية بمساعدة الإنسان ودعمه على القيام بمهامه في مواقف وظروف المناورة الشديدة، ونماذج آليات الاستطلاع المستقلة التي يمكنها الدخول في أراضي العدو، وتجنّب هجوماته ونقل بيانات حربيه إلى مراكز القيادة.

الدعم لا يمكن أن يتضاءل مع الوقت فسلطة التكنولوجيا أضحت متمكّنة من حياة الإنسان وغزت كافة مناحي الحياة حتى أنه لا يمكنه الاستغناء عنها الآن في أبسط العمليات الحسابية، اُنظر إلى كيف يمكن لهذا الذكاء الاصطناعي التعامل في خطة عمل مبرمجة إلكترونيا للتنبيه إلى خلل ما طرأ على حالة المريض الموضوع تحت رعاية طبية متقدمة وكشفه بشكل سريع عن مؤشرات لا تستجيب لخطة العلاج، وهذا امتياز إيجابي للمريض والطبيب المعالج معا.

ونبقى في مجال الصحة باعتباره مجالا حساسا في حياة البشر حيث ساعدت أجهزة الروبوت في السنوات الأخيرة الأطباء في عدة مستشفيات عالمية في إجراء عمليات جراحية من جراحات القلب والكلى بشكل دقيق وفعّال، وفي نفس الإطار أظهرت الدراسة التي أجرتها كلية طب النفس التابعة لجامعة بلايماوث أن الروبوت يمكنه تحقيق نفس الأهداف الأساسية للمقابلة التحفيزية، حيث إنه يقوم بتشجيع المشاركين الراغبين في زيادة نشاطهم البدني، على التعبير عن أهدافهم ومشكلاتهم بصوت مرتفع. ويذكر أن المقابلة التحفيزية هي أسلوب في طب النفس يتضمن قيام الطبيب بتقديم الدعم والتشجيع للمريض حتى يتحدث عن رغبته في التغيير وأسبابها.

التطور التكنولوجي لشبكة المعلومات العالمية مهد للذكاء الاصطناعي باستخدامات وتطبيقات جديدة فتحت آفاقا أخرى وفرص عمل

وعلى المستوى الطبي يكمن سحر سلوك الروبوت الذكي في الأداء حيث إن هناك دراسات مقارنة بين أداء الطبيب البشري والنظام التكنولوجي الخبير أوضحت أن 25 بالمئة من الحالات الخاضعة للدراسة أبدى فيها النظام الخبير أداء أفضل، وأن 7 بالمئة فقط فاق الخبير البشري فيها النظام الخبير. وفي ذات المجال يستخدم نظام للمساعدة في عمليات التشخيص، ويستقبل فئة من الخصائص الإكلينيكية مثل العلامات والأعراض وبيانات معمليه ثم يُنتج قائمة من التشخيصات، ويقدّم تبريرا لكل تشخيص ويقترح المزيد من الفحوصات.

وللتفاعل الايجابي مع هذا الواقع التكنولوجي أكد جيري كابلان أن الأطباء على وجه الخصوص ربما لا يستغنون عن مراقبة علاج مرضاهم ويتخلّون عن تلك المهمة لصالح عقول آلية، مستدركا أنه من دون شك عندما تؤكد النتائج أن هذا أفضل خيار، فسوف يطلب المرضى رؤية روبوت يقظ بدلا من طبيب مثقل بالأعمال، مقابل جزء من الرسوم.

ولتعريف السلوك المناسب للتعامل مع كل الانعكاسات الإيجابية للروبوت على كافة الوظائف التي يقوم بها الإنسان تتوقّع مجموعة بوسطن الاستشارية أنه بحلول عام 2025، ستؤدي البرامج الذكية أو أجهزة الروبوت الأعمال في ربع الوظائف تقريبا، في حين تشتغل شركة “فوكسكون”، الرائدة في تصنيع أجهزة إلكترونية مثل هواتف آيفون، اعتمادا على نسبة 30 في المئة من أجهزة الروبوت إلى حدود 2020، ما يعني أن دخول هذه الأجهزة الذكية مسارات متشعبة في حياة الإنسان لازالت مستمرة ولن تتوقف.

وعلى فرض أن هناك وظائف عديدة أصبحت مهدّدة بالانقراض نتيجة تفوّق الروبوت في القيام بها بسرعة وفعّالية أكبر من الأداء البشري، إلا أن التطور التكنولوجي لشبكة المعلومات العالمية مهّد للذكاء الاصطناعي باستخدامات وتطبيقات جديدة فتحت آفاقا أخرى وفرص عمل ومكّن من ربط الملايين من المستخدمين بعضهم ببعض عالميا.

ويتفّق مارتن فورد في كتابه “صعود الروبوتات”، مع المخاوف الناتجة عن الصعود المكثّف لسلالات الروبوتات الذكية في كل الوظائف التي يشغلها الإنسان، إلا أنه يؤكد كذلك أنها قد تكون خاطئة على اعتبار أن قدرة تلك الروبوتات على الأداء بشكلٍ أفضل من الإنسان لا تعني بالضرورة أنها ستحلّ محلّه.

وكخلاصة لا يسعنا في الأخير إلّا أن نتعامل مع هذا التفوّق التكنولوجي بتفاؤل ولو كان حذرا بإبراز ملكات الذكاء البشري في تطويع الروبوت في ما يخدم الإنسان وتحسين كفاءاته ومنتجاته، بدل إبداء تخوّفات لن توقف هذا الغزو الذي ساهم فيه الإنسان ذاته لأسباب تجارية وبحثية.

12