معز مسعود داعية مصري تطارده لعنات الازدواجية والمصالح الشخصية

الجدل المثار حول زواج الداعية معز مسعود بالفنانة شيري عادل يرتبط بفكرة الازدواجية التي يمثلها بعض الدعاة.
السبت 2018/07/28
معز مسعود شيخ رومانسي يفقد الدعاة الجدد مصداقيتهم

بدأ الدعاة الجدد في مصر يتساقطون واحدا بعد الآخر، تارة بسبب فضائح أخلاقية، وأخرى لاستخدام الدين لتحقيق مصالح شخصية، بعد أن أصبحوا موضع انتقاد وهجوم في الأعوام الأخيرة، بسبب وقوعهم في أخطاء لم يغفرها لهم قطاع كبير من المتابعين الذين وهبوا الشهرة والمال لهؤلاء بعد أن رأوا فيهم نموذجا لرجل الدين العصري.

آخر التجليات في عالم الدعاة يعكسها الهجوم الكبير الذي تعرض له الداعية المصري الشاب معز مسعود بعد زواجه من الممثلة شيري عادل. ولم يشفع مظهره العصري ولغته السهلة وإتقانه الإنكليزية في تهدئة وطأة الانتقادات، عندما رأت فئة من محبيه أن زواجه من الفنانة المصرية شيري عادل مؤخرا، عملية تتناقض مع ما دعا إليه سابقا.

يمكن تقسيم من هاجموا مسعود إلى ثلاثة فرق؛ الأول رأى فيه كاذبا ومخادعا يوهم محبيه بشكل الزوجة المثالية بحسب الدين الإسلامي ثم يختار العكس، والثاني رآه حرا في قراره دون استخدام الدين لشرعنة زواجه، وكأن الإسلام هو سبب زواجه من ممثلة صاعدة.

أما الفريق الأخير، فلم ير أزمة إطلاقا في كونه داعية ولا كلماته البراقة عن الزوجة المحتشمة، ووجده مثالا للرجل المخادع، الذي يتلاعب بالجمهور والسيدات بعد أن جاء زواجه الأخير عقب وقت قصير من انفصاله عن زوجته الشابة بسنت نورالدين.

ارتبط الجدل المثار حول زواج مسعود بفكرة الازدواجية التي يمثلها بعض الدعاة. وفي حالته، المسألة مرتبطة بعدم قدرة فئة كبيرة من متابعيه على تقبل فكرة الزواج من فنانة، ارتبط عملها في أذهانهم بالتحرر الذي كان مسعود نفسه يرفضه. ومن جهة أخرى من كونه يستسهل الطلاق والزواج، ما يتناقض مع مقولته الشهيرة في أحد برامجه بضرورة حماية قلب المرأة من الانكسار وأن “المرأة المطلقة قلبها يتحطم وتظل متأثرة طوال حياتها، وبعدها تفقد القدرة على الثقة في الرجال مرة أخرى.. نسبة الطلاق تزيد عندنا والناس أصبحت تفقد الإيمان بفكرة الزواج”.

ينتمي مسعود إلى ما يمكن وصفه بـ“دعاة التكنولوجيا أو الجيل الرابع”، الذين يوجهون خطابهم لفئات شبابية بشكل خاص، ويوظفون شبكات التواصل الاجتماعي لتحقيق أهدافهم في الوصول لأكبر شريحة من الجمهور.

وتظل إشكاليته وغيره، أنهم يتحدثون أحيانا عكس ما يفعلون، ما يوقعهم في تناقضات فاضحة. تراهم يدعون الناس إلى السير في طريق الاستقامة والاكتفاء بزوجة واحدة، ثم يطبقون تعدد الزواج. يميلون في دعوتهم ناحية التقشف، ويرتدون أزهى الثياب ويضعون أفخم العطور، ويرتدون من أغلى الماركات العالمية.

اختراق شرائح المصريين

أسباب زهو الدعاة الجدد تعود إلى الرغبة العامة في التخلص من شيوخ حرّموا ملذات الحياة وارتبطوا بالإرهاب وتيارات الإسلام السياسي (صورة متداولة من عرس مسعود)
أسباب زهو الدعاة الجدد تعود إلى الرغبة العامة في التخلص من شيوخ حرّموا ملذات الحياة وارتبطوا بالإرهاب وتيارات الإسلام السياسي (صورة متداولة من عرس مسعود)

 هذه الفئة استطاعت اختراق طبقات عديدة في المجتمع عبر تقديم الدين بلغة تتناسب مع ميول الشباب، تتسم بطابع غير مألوف، وتقتحم قضايا عصرية، في محاولة للخروج من عباءة رجل الدين المتشدد الذي يتمسك بفحوى التراث.

وقد رسخ الدعاة الحداثيون في عقول الناس أن المظهر جزء أساسي من الدين، وعمدوا أحيانا إلى تنصيب أنفسهم كمحتكرين للتدين ومرشدين للمجتمع في الوصول إلى الجنة والبعد عن النار.

لم يكن زواج الداعية المفتاح الحقيقي للأزمة التي شغلت الرأي العام في مصر، لكن ملف الدعاة الشباب وسقوطهم أمام أعين المحبين هو الأزمة الحقيقية بعد تعامل البعض مع مسعود وأمثاله على أن الدين بالنسبة لهم بمثابة سلم للصعود للنجومية والشهرة.

بداية من عمرو خالد الذي تعرض لأكثر من حملة هجوم بسبب استخدامه للدين في الدعاية لمنتجات استهلاكية، ومصطفى حسني الذي انطفأ بريقه مؤخرا، ومصطفى عاطف الذي توارى عن الأنظار، عرف هؤلاء بملابسهم الأنيقة والمساحيق التي يستخدمونها أثناء ظهورهم في برامجهم، ما منحهم لمعان نجوم السينما وليس الدعاة.

وكانت السنوات الماضية نقطة فارقة في ظهور جيل من الدعاة استطاعوا بلغة براقة ومظهر جديد خطف أعين المتابعين، وأصبحوا خلال فترة قليلة من أكثر الشخصيات تأثيرا ونفوذا.

ما ميز مسعود عن زملائه اتباعه مدرسة دعائية تحمل لغة أكثر بريقا وجاذبية، وهي مدرسة القساوسة البروتستانت التي ذاع صيتها بقوة في الولايات المتحدة، ومن أشهر رموزها بيل غراهام وجيري فولويل وجيمي سويغارت. ونجح المنتمون إليها في فترة السبعينات في إعادة الكثير من الشباب إلى الدين المسيحي بعدما انتهجوا الإلحاد منهجا لهم.

قدمت هذه المدرسة صورة رجل الدين الطيب والبشوش، صاحب اللغة المنمقة الجاذبة للشرائح الغنية من المجتمع. ونجح هؤلاء في استخدام أساليب وأنماط غير تقليدية في إلقاء محاضرات دينية واعدة حول جمال الدين وسلميته وحب الرب لعباده.

وهو النهج ذاته الذي اتبعه مسعود، الذي وفقا لكتاب “دولة الدعاة الجدد” الذي نُشر عام 2009، لمؤلفه وائل لطفى، يعد من الجيل الثالث بعد عمر عبدالكافي وياسين رشدي، ومن الجيل الثاني من الدعاة التلفزيونيين بعد عمرو خالد، لكنه يختلف عن كل هؤلاء في تأثره بأنماط الوعي الأميركي، ما يتفق مع دراسته في مدارس أجنبية وقضاء فترات طويلة في الولايات المتحدة.

مظهره العصري ولغته السهلة لم يجديا نفعا في تهدئة وطأة انتقادات محبيه، بعد زواجه من الفنانة المصرية شيري عادل مؤخرا.
مظهره العصري ولغته السهلة لم يجديا نفعا في تهدئة وطأة انتقادات محبيه، بعد زواجه من الفنانة المصرية شيري عادل مؤخرا.

يعتمد الواعظ الأميركي على الإقناع بطريقة إشعال الحماس ودغدغة العواطف باستخدام الاناشيد والأغاني أحيانا، الأمر الذي برع فيه معز من خلال استخدامه لغة بسيطة ولينة وتقديم نفسه كشاب ميسور الحال، تلقى تعليما راقيا، ويدرك طريقه إلى الله، حتى بات طريقا لهداية الآخرين من خلال ما يعرف بالتدين الوسطي العصري المنفتح على ثقافات مختلفة.

وتتشابه المدرسة الأميركية مع المصرية في كون الدعاة اشتركوا في أنهم لم يكونوا رجال دين من الأساس، لكنهم تحولوا فجأة من حياة مليئة رغدة، وربما مليئة بالفواحش إلى أخرى ترى الدين عمادها. وتواجه المدرسة المصرية مصير مدرسة القساوسة المنفتحة، فبعد عقود من نجاح الأولى أيقن الشباب أنها ليست سوى مدرسة للدعاية وتحقيق المكاسب الشخصية.

على بساط مهرجان كان

كان مسعود عازفا داخل فرقة موسيقية أسسها مع مجموعة من أصدقائه، قبل أن يلتحق بمجال الدعوة. وظل شغفه بالموسيقى يطارده حتى بعدما أصبح داعية يتمتع بنفوذ وشعبية وانتشار واسع.

فوجئ متابعوه ذات يوم بظهوره في كليب غنائي مع فرقة “كاريوكي” الموسيقية، وهي فرقة شبابية نشطة في مصر، لدرجة أن البعض اختلط عليهم الأمر، كيف يغني وهو داعية ديني؟ وجاء رده أنه ليس داعية بالمعنى الحرفي، بل هو باحث فلسفي.

لم يكتف مسعود بالتجربة، وأطلق بعدها أغنية بعنوان “يا رحلة”، من تأليفه وغنائه وألحانه، وشاركه في تقديمها المطرب أمير عيد، من فرقة كاريوكي، في انعكاس واضح لتأثره بالفن وأهله، وهو ما فسره متابعوه بأن هذه الميول كانت من أسباب إصراره على الزواج من الفنانة شيري عادل.

مثّل ظهوره في مهرجان “كان” السينمائي الدولي العام الماضي، كمنتج للفيلم المصري الطويل “اشتباك”، بطولة نيلي كريم، مفاجأة لمتابعيه، ما وسع دائرة الاستغراب حوله، هل هو داعية أم فنان أم مخرج أم مغن أم مؤلف أوم ملحن؟

كشف هذا الأمر عن نمط جديد من الدعاة الإسلاميين الذين آثروا الظهور بأكثر من وجه لإبعاد أنفسهم عن طريق الدعاة الكلاسيكيين، وأن لديهم مشاريع مغايرة للدعوة لوضع أنفسهم في خانة ما يسمى بالدعاة “المودرن”.

ذاع صيته على نطاق واسع، كداعية شاب معتدل مع تقديمه برنامج “الباحث عن الحقيقة”، ناقش فيه علماء أجانب أكثرهم من الملحدين وطرح عليهم أسئلة تتعلق بالخلق والكون وأصل البشر ويوم القيامة، واستثمر كساد سوق الدعاة وتصاعد الغضب المجتمعي ضد جماعات الإسلام السياسي، بعد ثورة 25 يناير عام 2011 التي أسقطت حكم حسني مبارك وثورة 30 يونيو عام 2013 التي أطاحت بنظام حكم جماعة الإخوان.

تغيرات اجتماعية

جاء تتابع مجموعة من الهزات السياسية في مصر ليفتح الباب على مصراعيه أمام التوسع في مشاريع دعوية عصرية استثمرها مسعود ومصطفى حسني وعمرو خالد، لكن الأخير فشل في منافسة مسعود الذي اعتمد في أسلوبه على البساطة وعدم التكلف ولغة الشباب وطرح قضايا معاصرة، مرتديا زيا يشبه ما يرتديه الجمهور الذي يستهدفه، ويتحدث بخطاب جذاب، يتعمد استخدام نمط موسيقي يتسق مع الأفكار الحداثية.

تعود أسباب زهو الدعاة الجدد إلى الرغبة في التخلص من الشيوخ المتشددين الذين أقاموا طوقا دينيا خانقا على المجتمع، من خلال تحريم أغلب ملذات الحياة، وارتباطهم بارتفاع وتيرة الإرهاب ورغبة ممثلي تيار الإسلام السياسي في فرض نفوذهم.

مثّل الدعاة الجدد ملاذا آمنا لشريحة مجتمعية كبيرة من الآباء والحكومة في آن واحد، وكل منهما رأى في الشيوخ الشباب وجها جديدا للتمسك بتعاليم الدين دون تطرف والقبض على دفة توجيه الشباب قبل رضوخهم لخطاب التشدد ثم الانضمام لجماعات متطرفة.

المدرسة المصرية تتشابه مع الأميركية في كون دعاتها ليسوا رجال دين أساسا، لكنهم تحولوا فجأة من حياة مليئة رغدا وربما مليئة بالفواحش إلى أخرى ترى الدين عمادها. لذلك تواجه المدرسة المصرية مصير مدرسة القساوسة ذاته
المدرسة المصرية تتشابه مع الأميركية في كون دعاتها ليسوا رجال دين أساسا، لكنهم تحولوا فجأة من حياة مليئة رغدا وربما مليئة بالفواحش إلى أخرى ترى الدين عمادها. لذلك تواجه المدرسة المصرية مصير مدرسة القساوسة ذاته

وقد سنحت الفرصة لمسعود وعدد من زملائه في تمهيد الطريق للانطلاق بسرعة فائقة لجذب الملايين من المتابعين، حتى وإن بدت هناك شبهة في ضحالة العلم وتناقض جوهر الخطاب والمواقف.

بدت مشكلة هذه الفئة، وكأنهم لم يستطيعوا ملء فراغ الدعاة المتشددين، ويفتقرون للحجة الكافية للدفاع عن أفكارهم، ما كشف ملامح ازدواجيتهم، وعندما خرجوا لتبرير مواقفهم التي لا تتفق مع دعوتهم، أنكروا الحقائق المجردة، وخسروا ما تبقى من رصيد لهم عند الناس.

وأفرزت تناقضات مسعود حالة مجتمعية فريدة بعد تصاعد حدة الهجوم ضده، وهي إسقاط الوصاية على عقول الناس، لا سيما وصاية الدين، ما يمهد لارتقاء العقل للجمعي.

وعكست هذه الحالة اتجاها تصاعديا نحو إسقاط كل سلطة بعيدة عن سلطة العلم التي تقوم على المعرفة والتجرد من المصلحة الذاتية، بعيدا عن تنصيب كل داعية لنفسه وكأنه “أعلم أهل الأرض”، وأن الاستسلام لأفكاره وعلمه فرض عين، بغض النظر عن المنطق.

تكمن مشكلة مسعود، وأمثاله، في أنه لا يريد الاعتراف بأنه يفتقر لرفاهية الحرية الكاملة في تصرفاته بعدما أصبح شخصية عامة ومؤثرة، وارتضى ممارسة دور الناصح الأمين، والآن يطالب الناس بغض الطرف عن تصرفاته، سواء اتفقت مع الأفكار والمعتقدات التي يزرعها في أذهان الناس أم لا، ويعتبر التركيز على حياته انتهاكا لخصوصيته.

تركيز معظم خطاباته الدعوية على المرأة والطرق المُثلى لاختيار الزوجة، ضاعف من اهتمام الناس بزيجاته أو مغامراته، فقد وضع نفسه في مكانة دينية متقدمة، وبالتالي من الصعوبة أن يتحرك من دون رقيب.

وقد سبق لمعز أن تزوج من فتاتين، قبل شيري عادل، الأولى تدعى سارة صاحبة لقب ملكة جمال الجامعة الأميركية وتزوجها عام 2003، والثانية بسنت نورالدين، مرشدة سياحية، وتخصصت في عرض مقاطع فيديو عن مصر، وكان ذلك أحد أسباب إعجابه بها، ولم يستمر الزواج سوى 179 يوما.

12