معسكرات الموت

لم تكن معسكرات الاعتقال الجماعي قاصرة على الألمان فقط، فقد أقام الأميركيون معسكرات اعتقال لأبناء الجالية اليابانية بعد دخول أميركا الحرب ضد اليابان.
الأربعاء 2018/06/13
من يتمكن من الصمود والتحمل ينجو من الموت

كنت مؤخرا في زيارة إلى ميونيخ الألمانية وانتهزت الفرصة لزيارة معسكر داخاو الذي لا يبعد كثيرا عن المدينة، وهو المعسكر الشهير الذي اعتبر أحد معسكرات الموت في ألمانيا النازية.

وهناك 23 من هذه المعسكرات التي عرفت بأسمائها الشهيرة وكانت تضم أعدادا كبيرة من السجناء، وكان الهدف الأساسي منها استغلال السجناء في العمل الإجباري أو السخرة، كوسيلة للعقاب والانتفاع أيضا.

وقيل إن أحد أهداف هذه المعسكرات كان أيضا اختبار وتطبيق قانون داروين الشهير الذي عرف بـ”قانون الانتخاب الطبيعي”، فمن يتمكن من الصمود والتحمل ينجو من الموت، ومن لا يتمكن يهلك.

أنشئ معسكر داخاو أساسا للمعتقلين السياسيين المناوئين للنازية مثل الشيوعيين والاشتراكيين وكان يضم أيضا بعض الغجر، ولكنه استقبل في ما بعد أعدادا من اليهود.

وقد فوجئت بأن الألمان قاموا بإزالة جميع الثكنات والعنابر التي كانت مخصّصة لإيواء المعتقلين، وأبقوا على بعض المنشآت المحدودة مثل المحرقتين، وغرف الحراس والإدارة، على العكس من معسكر أوشفتز- بيركناو في بولندا الذي يعتبر المعسكر الأضخم على الإطلاق، وكنت قد زرت أوشفتز في العام الماضي عندما زرت مدينة كراكوف البولندية، وهي بالمناسبة من أجمل المدن الأوروبية وأكثرها نظافة ونظاما ورونقا.

لم يعرف معسكر داخاو وجود ما يسمّى بـ”غرف الغاز” التي يقال حسب نظرية الإبادة الجماعية بالغازات السامة التي انتشرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إنها كانت مخصّصة للتخلص من يهود أوروبا، وإنه قتل فيها ما يقرب من ستة ملايين يهودي.

ففي 19 أغسطس من عام 1960 بعث البروفيسور مارتن بروزات مدير معهد ميونيخ للتاريخ المعاصر، وهو من المؤرخين الرسميين الذين يتبنون نظرية إبادة اليهود في غرف الغاز، رسالة إلى مجلة “دي زيت” الألمانية، يقول فيها إنه ثبت عدم وجود غرف غاز في كل المعسكرات النازية التي كانت تقع داخل أراضي الرايخ القديم، ولكنها وجدت فقط في بعض المعسكرات في بولندا.

وكان عنوان رسالة بروزات “لا إبادة بالغاز في داخاو”، إشارة إلى ذلك المعسكر الرهيب الذي كان محورا لمئات الشهادات التي قدّمها شهود من اليهود ومن المسؤولين النازيين على السواء، تؤكد وجود غرف الغاز.

ورغم أن اللوحات المكتوبة في المعسكر تفيد أنه لم تكن هناك غرف للقتل بالغاز السام تأكيدا لشهادة المؤرخ بروزات، إلاّ أنك عندما تدخل إلى غرفة تجميع الجثث المجاورة لغرفة المحرقة الأولى في داخاو ستجد لوحة أخرى تفيد أن هذه الغرفة استخدمت حسب شهادات اليهود كغرفة غاز، أي أن المعلومات الموجودة في المعسكر اليوم تقول بكل بساطة إنه لم توجد في داخاو غرف الغاز، لكن في الوقت نفسه كانت هناك غرفة غاز، طبقا لشهادة الشهود!

ومن الأمور التي أصبحت معروفة، أن غرفة الغاز الموجودة الأكثر شهرة في العالم، أي الموجودة في معسكر أوشفتز ليست إلاّ نموذجا مزيفا وأنها أقيمت عام 1949 أي بعد الحرب بأربع سنوات!

ولم تكن معسكرات الاعتقال الجماعي قاصرة على الألمان فقط، فقد أقام الأميركيون معسكرات اعتقال لأبناء الجالية اليابانية بعد دخول أميركا الحرب ضد اليابان، وضعوا فيها حوالي 230 ألف من اليابانيين الأميركيين بسبب الشك في ولائهم لأميركا وانحيازهم لليابان.

وبعد الحرب الثانية أقام السوفييت معسكرات اعتقال وضعوا فيها نحو 2 مليون ألماني كعمال بالسخرة قضى منهم الكثيرون، وأقام الفرنسيون معسكرات أخرى مشابهة قرب الحدود مع ألمانيا، كما استخدم الجيش الأميركي الكثير من المعسكرات الألمانية داخل ألمانيا لوضع ما يقرب عن مليونين من جنود الجيش الألماني والشرطة الألمانية الخاصة.

وقد صدر قبل فترة كتاب أثار ضجة هائلة في حينه، لطبيب كندي كان يعمل في الصليب الأحمر الدولي، استعرض فيه بالتفصيل الأوضاع داخل معسكرات الاعتقال التي أقامها الحلفاء للألمان، ولكن هذه المعسكرات لم تتحوّل إلى متاحف مقدسة بالطبع!

16