"معسكر أشعة إكس": غوانتانامو بين واقع الحياة وواقع الفيلم

الثلاثاء 2014/10/14
"معسكر أشعة إكس" فيلم خلق واقعه تماما كما خلق زمنه

لندن - عندما جاء المخرج الأميركي الشاب بيتر ستيللر ليقدم فيلمه الأول كمخرج وكاتب سيناريو، “معسكر أشعة إكس" camp x ray لجمهور مهرجان لندن السينمائي الـ58، قال إن فيلمه “ليس سياسيا”.

قول بيتر ستيللر يبدو غريبا عن فيلم يحمل في عنوانه اسم قسم معروف كان قائما في معسكر غوانتانامو الشهير، الذي لا تزال الولايات المتحدة تحتجز فيه ما يقرب عن مئة معتقل، دون أن توجه اتهامات محددة إليهم.

أما القول بأن فيلما عن “غوانتانامو” ليس سياسيا، فيأخذنا بالضرورة إلى مغزى فكرة الدراما، فإذا حاسبنا الفيلم على مدى قربه من الواقع الذي نعرفه ويعرفه الكثيرون في العالم، عن شكل الاعتقال في المعتقل الشهير الذي صوّر حتى في أفلام وثائقية بشكل دقيق.

فيجب أن نرفض الفيلم باعتباره انحرافا مقصودا عن “الواقع” ، ربما بغرض “تجميل” الصورة الأميركية، وجعلنا نرى الأمور في صورة مخففة كثيرا عما هي في “الواقع”.

أما إذا اعتبرنا أن الفيلم يقدّم “رؤية” أو “معالجة” سينمائية فنية متخيلة لقصة من الممكن أن تحدث في الواقع، وليس بالضرورة أن تكون ملتصقة مع الصورة الشائعة المعروفة عن “الواقع”، هنا يمكننا قبول فكرة أن الفيلم يخلق واقعه، تماما كما يخلق زمنه.


قصة تعاطف


يبدأ الفيلم بلقطات لتفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك، تظهر على شاشة تليفزيون داخل منزل ما نرى فيه بعد ذلك رجلا مسلما يؤدي الصلاة، وفجأة تنقض قوة مجهولة وتلقي القبض عليه.

ويتكرر الحدث مع أكثر من شخص في أماكن مختلفة، وبعد مرور 8 سنوات على الأحداث الشهيرة ننتقل إلى غوانتانامو، ذلك المعتقل الرهيب في خليج باي بكوبا، حيث تصل دفعة جديدة من الحراس بينهم فتاة شابة حسناء تدعى “آمي كول”، تقوم بدورها الممثلة كريستين ستيوارت.

كريستين ستيوارت هي نجمة سلسلة أفلام “تويلايت” الهوليوودية الشهيرة، وتنتقل هنا نقلة نوعيّة في تاريخها الفني، من أيقونة ناعمة في السينما الخرافية، إلى مجندة قادمة من بلدة أميركية صغيرة، تحاول أن تبدي من الخشونة ما استطاعت، بل وتكون أول المتطوعين للعمل في حراسة المعتقلين على شكل نوبات نهارية وليلية.

كريستين ستيوارت تنتقل من أيقونة ناعمة في السينما الخرافية، إلى مجندة تحاول أن تبدي من الخشونة ما استطاعت

وهو ما يعرضها للكثير من المشاكل التي لا قبل لها بها، ورغم ذلك تتمسك بالعمل في هذه المهمة. في البداية نراها تصحح لزميل لها يستخدم كلمة “السجناء” في وصف المعتقلين، فتقول له إن السجناء يتمتعون عادة بالحقوق المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الدولية، في حين أن “المحتجزين” لا يخضعون لشروط هذه الاتفاقية، أي ليس لهم حقوق من أي نوع.

هل سيستمر موقف آمي الصلب العنيد الذي يجعلها تتحمل أن يركلها معتقل عربي ضخم الجثة، وهو في حالة هيجان عصبي حادّ في بطنها ويلكمها على أنفها؟ ما نراه هو أنها تخالف القاعدة الأولى التي كررها قائدها الضابط قبل أن تستلم المهمة، أي ضرورة عدم التحدث مع المحتجزين وعدم السماح لهم بالتالي “بأن يستدرجوك ويستولون على اهتمامك”.

فهي تقيم علاقة صداقة تنمو تدريجيا مع سجين إيراني الأصل ألماني الجنسية، يدعى “علي أمير” (يقوم بدوره الممثل الإيراني ريمان مهدي الذي تألق من قبل في فيلم “انفصال نادر وسيمين” للمخرج أصغر فرهادي).

في البداية يحاول استفزازها، بل ويأخذ في صب اللعنات ومعاملتها بخشونة، وفي أحد المشاهد يلقي ببعض الفضلات عليها من فتحة الزنزانة، فيلوث ملابسها في إهانة واضحة للزي العسكري الأميركي.

ولكنه تدريجيا يبدي نحوها اهتماما خاصا، يخبرها أن أحد الضباط قال له وهم يستجوبونه ذات مرة، إنه يعلم تماما أنه ليس مذنبا، لكنه لا يكشف عن نفسه أكثر من ذلك، وهو يريد أن يعرف من أين جاءت؟ وكيف حدث أنها انتهت “إلى هذا المكان” كما يقول لها حرفيا.

وتعرف هي أنه كان يعمل مترجما، ولكنه قارئ جيد، يقرأ في السجن، ولديه هاجس خاص يتمثل في الحصول على الجزء الأخير من رواية “هاري بوتر” لكي يعرف كيف تنتهي.

وبعد أن كانت تصف أفعاله في البداية بأنها مثل تصرفات “ليكتر” في إشارة إلى شخصية آكل لحم البشر في فيلم “صمت الحملان”، تبدأ في التعاطف معه وفي التفكير في محنته المستمرة منذ ثماني سنوات، وتواصل تبادل الحديث معه عبر نافذة الزنزانة الزجاجية التي يرى الاثنان من خلالها بعضهما البعض.

فيلم مختلفة نهايته عن ذلك المعتقل الشهير

وهنا يستولي “علي” على “آمي” ويسيطر على عقلها، ليس من باب الانجذاب العاطفي بالطبع، بل من باب التعاطف الإنساني. هذه الفكرة وهذا التصوير لاشك أنه يخالف الواقع المعروف تماما، فلسنا أمام فيلم يكشف، ويفضح ويعرّي الممارسات الأميركية المعروفة والمعترف بها: التعذيب والإهانة وكسر الإرادة، وتلك الصورة شديدة الخشونة التي تميز حراس معسكر غوانتانامو.

بل إننا لا نرى المعتقلين مقيدي الأرجل بالسلاسل الحديدية مثلا، ولا موضوعين في زنازين منخفضة، بحيث تظل أجسادهم منحنية في ذلّ، صحيح أننا نرى مرة واحدة إضرابا عن الطعام يفضه الحراس بإعطاء المعتقلين المحاليل، بعد تقييد أيديهم وأقدامهم في مقاعد خاصة مجهزة.

وصحيح أننا نشاهد الضابط المسؤول عن آمي، كيف أنه بعد أن يفشل في إقامة علاقة جنسية معها، ينتقم منها ومن “سجينها” عندما يأمره بالاستحمام عاريا، تماما أمام عينيها ويأمرها بالتطلع إليه أثناء ذلك.

إلاّ أن الموضوع الأساسي هو كيف أصبحت السجانة سجينة في ذلك المكان، حيث تشعر فيه بالظلم والاختناق والرفض، لكنها مضطرة للقبول بما تراه والصمت على ذلك، مع استمرارها في إبداء الاهتمام بـ”علي” رغم كل المحاذير.

وتأكيدا لفكرة تحوّل السجين إلى سجان، نرى في أحد المشاهد قبل النهاية لقطة مصورة من داخل زنزانة علي تصوره من وراء ظهره وهو يتطلع إلى آمي عبر كوة الزنزانة، بينما تبدو هي من الناحية الأخرى في لقطة قريبة وكأنها حبيسة في الكادر تتطلع إليها الكاميرا من زاوية مرتفعة، فتجعل السجين يبدو عملاقا بجسده الضخم ولحيته الكثة التي يظهر جزء منها من جانب وجهه، بينما يبدو جسدها ضئيلا وعيناها مبللتين بالدموع.


حس إنساني


معظم ما يدور من تصوير هو داخل ذلك الممر الفاصل بين الزنزانات، حيث تمر آمي عليها واحدة بعد أخرى، تتطلع وتراقب وتتردد وتقترب، ثم تدير تلك الحوارات التي تبدو في البداية في لقطات متوسطة وعامة، ثم تقترب الكاميرا أكثر فأكثر لتصبح المحادثة بينها وبين علي متبادلة بالقطع من خلال لقطات قريبة (كلوز أب).

ولكن هذا فيلم تمثيلي في المقام الأول: هنا لا بد من الاعتراف بتفوق الممثل الإيراني، وسيطرته المدهشة على كل المشاهد التي يظهر فيها مبديا الغضب والرفض والعنف، ثم التساؤل والاهتمام وإظهار الحس الإنساني.

وإن كان أداؤه باللغة الأنكليزية يفقد دوره بعض تألقه المعروف، ويجعله أحيانا يلجأ إلى المبالغة في الأداء. وتكون كريستين ستيوارت مناسبة تماما للدور بما أظهرته من ضعف أنثوي واضح، وبنجاحها في التعبير عن تلك الفتاة التي لا تمتلك تجربة سابقة في العمل.

لقد أدّت بامتياز دور الفتاة التي تريد أن تنجح بأن تضغط على نفسها كثيرا لإخفاء مشاعرها الحقيقية، ونجحت بصفة خاصة في أدائها أمام قائد المعسكر، فهي تتلعثم وتضطرب وتتصور أنها عندما ستقول له إنها سعيدة بالعمل في غوانتانامو سيقبل منها هذا راضيا، بل هو يفاجئها بقوله: “أنا لست سعيدا.. ولكني هنا لأن قائدي كلفني بذلك”، بمعنى تلقينها درسا في ضرورة الانصياع للأوامر.

الفيلم في النهاية مختلف تماما عما قد يتوقعه المشاهد من فيلم عن ذلك المعتقل الشهير الذي أصبح خلال سنوات، رمزا لتجاوز الكثير من القيم والتقاليد الأميركية المعلنة التي تتعلق بالعدالة.

لكن كما ذكرت من قبل، فإن واقع السينما غير واقع الحياة، وأنت هنا يتعين عليك أن ترى هل نجح الفيلم في التعبير عن موضوعه من خلال رؤية مخرجه الخاصة -القائمة على واقع درامي مفترض- أو لم ينجح، أما أن نطالبه بأن يصنع لنا الفيلم الذي نتوقعه ونريده، فهذا بلا شك خارج إطار تقييم الأعمال الفنية.

16