معسكر المتشددين في إيران يتلمس مزايا التواصل الاجتماعي في موسم الانتخابات

الانتخابات الإيرانية، وما أثارته من صراع بين معسكر المتشددين ومعسكر الإصلاحيين، تجري على أكثر من ميدان. فبالإضافة إلى المناظرات والتصريحات والحملات الانتخابية، فإن المواقع الاجتماعية تفاعلت أيضا مع الحدث الانتخابي، وسجلت اصطفافا كبيرا من المعسكرين، والملفت أن المتشددين التحقوا بميدان لطالما عُدّ غريبا قياسا لمقولاتهم.
الخميس 2017/05/18
مواقع تحت السيطرة

بيروت – في الصورة الأولى يظهر الآلاف من المحتشدين في ساحة رئيسية بمدينة أصفهان هذا الأسبوع للاستماع لخطبة رجل الدين المتشدد إبراهيم رئيسي أبرز المنافسين للرئيس حسن روحاني في انتخابات الرئاسة التي تجرى في إيران الجمعة.

تحتها مباشرة صورة أخرى للساحة نفسها وفيها عدد أقل من الناس جاءوا في اليوم السابق لرؤية روحاني، ويظهر في الصورة عدد من الأسهم تشير إلى الأماكن الخاوية.

نشرت الصورتان المتناقضتان على مواقع التواصل الاجتماعي للمتشددين وشاهدهما عشرات الآلاف، ولا يمكن التحقق مما إذا كانت الصورتان تعطيان صورة صحيحة عن الحجم الحقيقي للجماهير التي تجمعت في الساحة خلال اليومين، لكنهما تتيحان مثالا دقيقا على مدى لحاق المتشددين بالإصلاحيين في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسالتهم.

ومع اقتراب الانتخابات التي تجرى الجمعة شن الطرفان حملة دعاية على وسائل التواصل الاجتماعي لم يسبق لها مثيل في التاريخ السياسي الإيراني.

فقد جرى العرف أن يكون المعسكر الإصلاحي والمعتدل المستخدم الرئيسي لوسائل التواصل الاجتماعي في إيران. وعندما شنت قوات الأمن حملة على احتجاجات شعبية في أعقاب انتخابات الرئاسة التي شهدت نزاعا على نتيجتها عام 2009 نشر الآلاف من الشبان الإيرانيين صورا ومقاطع فيديو على تويتر، والآن لحق بهم خصومهم. وقال سعيد ليلاز الاقتصادي والمحلل السياسي المقيم في طهران “للمرة الأولى يستخدم معارضو الإصلاح وسائل التواصل الاجتماعي أيضا”.

وتقل أعمار حوالي 60 في المئة من سكان إيران البالغ عددهم 80 مليون نسمة عن 30 عاما. وقال ليلاز “وسائل التواصل الاجتماعي اضطلعت بالكامل بنشر المعلومات والأخبار عن الانتخابات. لا توجد وسائل إعلام محلية أو دولية لها التأثير نفسه”.

وأوسع وسائل التواصل الاجتماعي انتشارا وبفارق كبير هو تطبيق تلجرام الذي يتيح خدمة الدردشة ويبلغ عدد مستخدميه في إيران حوالي 20 مليونا وفقا لما ورد في تقرير لوكالة الطلبة للأنباء.

ويسمح تلجرام لمستخدميه بإنشاء “قنوات” لبث الصور ومقاطع الفيديو ورسائل أخرى لمتابعيهم على نطاق واسع. وبالنسبة للإصلاحيين في إيران بصفة خاصة فإنه وسيلة لتوصيل رسائلهم التي تكبتها الرقابة في العادة.

واستخدم الإصلاحيون تلجرام هذا الأسبوع في بث رسالة من الرئيس الأسبق محمد خاتمي ناشد فيها الناخبين الإقبال على التصويت والإدلاء بأصواتهم لصالح روحاني. ويعد ظهور صور لخاتمي أو ذكر اسمه في التلفزيون والصحف مخالفا للقانون في إيران.

في هذه الانتخابات الرئاسية تنتشر الإعلانات السلبية والحقائق البديلة كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي

وقال خاتمي في الرسالة “سنصوت لروحاني من أجل حرية الفكر والمنطق في الحوار والقانون في الممارسة والدفاع عن حقوق المواطنين ولتحقيق العدل الاجتماعي والاقتصادي في مجتمعنا. وفي هذه المرة عليكم أنتم أن تكرروها”.

غير أن المحافظين اكتشفوا سطوة وسائل التواصل الاجتماعي. فقد عرضت مواقع للمتشددين لقطات فيديو لعمال مناجم غاضبين يخبطون على سيارة روحاني احتجاجا خلال زيارة لمنجم سقط فيه العشرات من القتلى.

ونشر معارضون وثائق على مواقع التواصل الاجتماعي يقولون إنها تظهر مشاركة الرئيس في صفقات عقارية يشوبها الفساد. ونفى روحاني اتهامات الفساد مرارا.

وقال علي واعظ المحلل المتخصص في شؤون إيران بمجموعة الأزمات الدولية “نادرا ما كان المرشحون يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لكشف وثائق تهدف إلى تخريب حملة الدعاية لخصومهم. أما في هذه الانتخابات فالإعلانات السلبية والحقائق البديلة تنتشر كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي”.

وخلال مناظرة تلفزيونية الأسبوع الماضي أعلن رئيس بلدية طهران محمد باقر قليباف المرشح المحافظ، الذي سحب ترشيحه وأيد رئيسي، أنه سينشر وثائق عن دخله على تلجرام لإبعاد شبهة الفساد عن نفسه.

وقال شاه روز أفخمي النائب السابق الذي كان عضوا في لجنة لبحث القضايا الاجتماعية “معارضو الحكومة استفادوا من وسائل التواصل الاجتماعي”.

لكن حتى إذا كان معسكر المتشددين يكتسب قدرات أفضل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي فمازالت قوى أمنية مثل الحرس الثوري تعتبرها مصدر تهديد.

وفي منتصف مارس الماضي اعتقل الحرس الثوري نحو عشرة من مشرفي (أدمن) قنوات وصفحات الإصلاحيين على تلجرام وذلك حسبما ذكرت جماعات حقوقية. وفي أواخر أبريل عطل القضاء الإيراني خدمة للاتصالات الصوتية أتاحها تطبيق تلجرام رغم محاولات روحاني إبقاءها مفتوحة.

وقال حسين نجاة نائب رئيس جناح المخابرات في الحرس الثوري بعد تعطيل الخدمة حسب ما ذكرت وكالة الطلبة الإيرانية للأنباء “أكدنا أن خدمة الاتصال الصوتي لتلجرام ستسفر عن عجزنا عن التحكم في أي شيء”. وأضاف “لكن الرئيس رد متسائلا لماذا تعارضون أي تكنولوجيا تأتي من الغرب؟”.

وذكرت وكالة تسنيم أن نجاة أعلن في فبراير “سحق” 157 قناة فاضحة على تلجرام.

وقال روزبه ميربراهيمي الصحافي والمدون الإيراني الذي عمل لحساب عدد من الصحف اليومية الإصلاحية ويعيش الآن في نيويورك “الأجهزة الأمنية في الجمهورية الإسلامية لا تحب الأشياء التي لا تستطيع السيطرة عليها”. وأضاف “يوجد الملايين من المستخدمين على تلجرام في إيران. فكيف تسيطر عليه ما لم تغلقه بالكامل؟ وهذه معركة قائمة وستستمر”.

وأشار إلى أن أفرادا على وسائل التواصل الاجتماعي من المعسكرين الإصلاحي والمتشدد على السواء يشتركون في خفة الظل الشديدة والنبرة الساخرة المتميزة.

13