معضلة أشبه بأحجية يصعب فكّ شيفراتها

الدراما المغاربية.. تتألّق في الأفلام وتتعثّر في المسلسلات.
الجمعة 2020/12/04
مسلسل «النوبة» التونسي أظهر تفوّقا في الإخراج والأداء التمثيلي

تعاني الدراما المغاربية رغم تطوّرها اللافت في المدة الأخيرة من ارتكانها إلى المحلية، مقارنة بالسينما التي أثبتت تألقّها إقليميا وعالميا في أكثر من مناسبة، فما السر وراء هذه الازدواجية في الذائقة التي باتت أشبه بمعضلة يصعب فكّ شيفراتها؟

السينما المغاربية لم تخب جذوتها على المستوى الإقليمي، وكذلك الدولي، إذ لا تزال تحصد الجوائز وتحظى بتقدير واعتراف أكبر المهرجانات في العالم، فمنذ أيام قليلة، فاز الفيلم التونسي “طلامس” للمخرج علاءالدّين سليم، بجائزة أفضل فيلم، وذلك ضمن فعاليات مهرجان الفيلم العربي بزيورخ. ومن جهته، رشّح المركز السينمائي المغربي فيلم “معجزة القديس المجهول” للمخرج علاءالدين الجم لتمثيل المغرب في مسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي.

وعلى مستوى المغرب العربي، فاز فيلم “مباركة” للمخرج المغربي محمد زين الدين، بالجائزة الكبرى للمهرجان المغاربي للفيلم في وجدة، بينما تُوّج التونسي وليد الطايع، بالجائزة الخاصة للجنة تحكيم الفيلم الروائي الطويل في هذه التظاهرة الضخمة، عن فيلمه “فاتاريا”، وذلك في دورتها التاسعة المنعقدة عبر المنصات الرقمية بسبب تفشي جائحة كورونا.أما الجزائر فهي حاضرة في ثلاثة أفلام تتضمنها قائمة الأفلام التي ستعرض خلال “أيام السينما الفرنسية” في المدينة الكوسموبوليتية مونتريال.

هذا التألق السينمائي الذي يكاد يسحب البساط من تحت أقدام ثابتة وضاربة في العراقة والإنتاجات السينمائية في بلد مثل مصر، يقابله تعثّر وشحّ في الإنتاج الدرامي التلفزيوني الذي يقتصر على المواسم الرمضانية، ولا يرضي في مجمله تطلع الجمهور المغاربي الذي عادة ما يتّجه نحو أعمال مشرقية كسوريا ومصر ولبنان، وكذلك تركية رغم تراجع المستوى في السنوات الأخيرة وعزوف الناس عن ذاك النوع من الدراما الدعائية.

سيدات البيوت من اللواتي يدمنّ الشاشة الصغيرة غير أولئك الذين يتابعون الأفلام الأجنبية في القاعات المخصّصة

ولا يمكن للمتابع أن ينكر تميّز بعض الأعمال التلفزيونية التي أنتجت في منطقة المغرب العربي، وخاطبت هموم الناس ومشاكلهم بمنتهى الجرأة والمسؤولية على مستوى المواضيع المطروحة، كما أنها لفتت الأنظار إلى حرفية عالية من جهة الصورة وتقنيات الإخراج، وكذلك من جهة الممثلين ذوي الأداء المسرحي والسينمائي المتميّز والبعيد عن النمطية، لكن التأثير ظل محدودا، والأعناق ظلت مشرئبة في اتجاه كل ما يأتي من بلدان المشرق، فهل أن الموضوع يتعلق بعادة وتربية ذوقية أم بعقدة “المركز والأطراف” التي ظل مثقفو ونقاد الجهتين يتراشقون بها بعضهم بعضا؟

ثمة أمر يصعب تفسيره ما لم يتم تشخيص هذه المعضلة التي تشبه الأحجية، فكيف يصل عمل سينمائي إلى العالمية ويتوّج بأرقى الجوائز، بينما يحصد عمل تلفزيوني الفشل، ويعرض عنه المتفرّجون رغم أن المهارات هي نفسها بالمقارنة مع بلدان كسوريا ومصر بل تتفوّق أحيانا إذا أخذنا بعين الاعتبار شهادات الخبرة والتحصيل التي يمتلكها المغاربيون المتمرّسون والمتدرّبون -في أغلبهم- لدى مدارس أوروبية عريقة ومشهورة.

الآن، وبعد توحّد واندماج تقنيات التصوير والمونتاج السينمائي والتلفزيوني إلى حد الانصهار، وذلك ضمن الثورة الرقمية التي يشهدها العالم، ما زال البون شاسعا بين الشاشتين الصغيرة والكبيرة في بلاد المغرب العربي رغم أن العدسة واحدة.. وربما كان التقنيون والمنفذون -وحتى المتفرّجون- هم أنفسهم، فأين تكمن المشكلة إذن؟

ينبغي القول أولا بأن جمهور الإنتاج التلفزيوني في شمال أفريقيا ليس بالضرورة هو نفسه جمهور الصالات السينمائية رغم انحصارها، ذلك أن هناك ذائقتين دراميتين تسير كل واحدة بموازاة الثانية ولا تلتقي معها إلاّ نادرا.

هذه المسافة الشاسعة مردُّها إلى الانفصال التام بين متطلبات التلفزيون واحتياجات السينما، فالأخيرة تميل إلى التجريب وفتح آفاق جديدة، أما التلفزيون فما زال على حاله الراكد دون أي طموح ولو حتى على المستوى التجاري، لحفر مكان على جداول المُشاهدة في المشرق العربي.

ازدواجية الذائقة

“أولاد مفيدة 5” منحته قناة “إي.تي بالعربي” لقب الأفضل مغاربيا
“أولاد مفيدة 5” منحته قناة “إي.تي بالعربي” لقب الأفضل مغاربيا

سيدات البيوت من اللواتي يدمنّ الشاشة الصغيرة غير أولئك الذين يتابعون الأفلام الأجنبية على شاشات الكمبيوتر أو حتى في القاعات المخصّصة، لذلك انقسم الجمهور إلى نصفين: الأول تلفزيوني تربّى على الدراما المصرية والسورية، ولا يقبل بغيرها بديلا حتى لو كان محليا يتحدّث عن بيئته، والثاني جمهور سينمائي بامتياز، يقارن كل ما يعرض من إنتاج محلي بأعمال عالمية يشاهدها كل يوم على شاشات الكمبيوتر أو حتى التلفزيون عبر المحطات المتخصّصة.

هذه الازدواجية في الذائقة صنعت شرخا بين جمهور البلد الواحد، فمتذوّقو السينما وعشّاقها لا يطيقون مشاهدة الأعمال التلفزيونية، وكذلك العكس فانقسم الاثنان إلى معسكرين متناقضين ومتصادمين.

لكن الدراما التلفزيونية المغاربية في سنواتها الأخيرة، عرفت نوعا من الانتعاش بحكم تعدّد القنوات وتوفّر هوامش من الحرية، وإقدام بعض المعلنين ورؤوس الأموال على الاستثمار في هذا المجال، وإن كان بسوية محدودة لأنها ظلت سجينة الموسم الرمضاني الذي يفرض عليها ملاحقة ومنافسة الإنتاجات الضخمة في الخليج ومصر وسوريا، أي أنها لم تبلغ مرحلة المنافسة، لكنها انتزعت لنفسها مكانة، وضمن حيّزها الجغرافي على الأقل.

غير أن الأعمال التلفزيونية في بلدان المغرب العربي تبقى متواضعة وغير قابلة للانتشار خارج المنطقة، ويعود ذلك لعدة عوامل منها صعوبة اللهجة المغاربية، كما يزعم النقاد في بلاد المشرق، وهو الأمر الذي ينكره نظراؤهم المغاربيون.

ومهما يكن من أمر، وسواء تعلق الأمر بتونس أو المغرب أو الجزائر، تعاني الأعمال التلفزيونية، خصوصا المسلسلات، من مشكلة كبيرة هي اللهجة، التي تمثل عائقا أمام الانتشار، فلقد اعتاد المُشاهد العربي اللهجتين المصرية والشامية، ومنعته “صعوبة” اللهجة المغاربية من متابعة مسلسلاتها.. ويبقى الجدل قائما بين الاثنين: كل واحد يقول إن لهجته أقرب إلى الفصحى و”ليت شعري ما الصحيح؟”.

يجب الاعتراف أنه ومنذ بداية انتشار التلفزيون في المنطقة العربية حتى نهاية تسعينات القرن العشرين، كانت الأعمال المصرية والسورية تغزو البيوت وتتصدّر المشهد في كل البلدان العربية. هكذا أثّرت في المُشاهد وسكنت خياله، وكانت لها علامات في تكوين ذائقته الفنية، لكن غابت الأعمال المغاربية بشكل تام، وفشلت في منافسة المسلسلات المصرية والشامية والخليجية.

انفتاح وتقارب

مسلسل “النوبة” التونسي أظهر تفوّقا في الإخراج والأداء التمثيلي
مسلسل “النوبة” التونسي أظهر تفوّقا في الإخراج والأداء التمثيلي​​​​​​

ثمة بارقة أمل تتمثل في هذا الانفتاح والتقارب العربيين بحكم عوامل كثيرة لعل من بينها الطرب والغناء، وكذلك عالم “البزنس” والقنوات الفضائية، وحتى المصاهرات الأسرية والاجتماعية، لكن المشكلة لا تكمن ولا تتوقّف هنا بل بسوق افتّكها الشاميون والمصريون والخليجيون، ولا يمكن استعادتها لصالح المغاربيين بتلك البساطة.

ورغم كل ذلك، يحسّ المتفرج بنكهة خاصة وحساسية سينمائية نادرة في بعض الدراما التلفزيونية المغاربية، وخصوصا التونسية منها حيث تحصل مسلسل “أولاد مفيدة” في جزئه الخامس على لقب أفضل مسلسل في المغرب العربي لموسم رمضان 2020، وذلك في استفتاء لقناة “إي.تي بالعربي”.

وأشاد العديد من المتابعين هذه السنة بمسلسل “أولاد مفيدة”، حيث اعتبر الكثيرون أنه هناك نقلة نوعية في المسلسل الذي كان من إخراج سوس الجمني في جزئه الخامس بعد أربعة أجزاء من إخراج سامي الفهري، ودون أن ننسى مسلسل “النوبة” الذي أظهر تفوّقا في الإخراج والأداء التمثيلي ذي النكهة المسرحية.

المسألة الأهم هي أن السينما المغاربية لها ممولون ومنتجون أوروبيون أما المسلسلات فلا شأن لهم بها، اللهم إلاّ إذا التفتت لها شركة نتفليكس ذات الإنتاجات العالمية الضخمة، والتي سبق لطاقم “صراع العروش” أن صوّر عدة مشاهد في المغرب، تحديدا في مدينتي الصويرة وورزازات، وخصوصا المشاهد التي ظهرت فيها شخصية “دينيريس تارغيريان”.

الأمر الذي لا بد من الإشارة إليه هو أن السينما تقرّب بين الشعوب أكثر من المسلسلات، لأنها مبنية على التقارب والاحتكاك في المهرجانات، فرغم جائحة كورونا، قال رئيس مهرجان السينما المغاربية في طنجة، خالد سلي، في كلمة “كنت أظن أن فراق وتوديع الضيوف والمشاركين بعد دورة افتراضية سيكون أقل تأثيرا من لحظات الفراق بعد نهاية كل دورة من الدورات السابقة، لكن وبكل صدق عندي إحساس بأن الفراق هذه السنة أشد، لأن عدد ضيوفنا ولو على المستوى الافتراضي قد تضاعف”.

وأضاف “لقد كنا عائلة مغاربية صغيرة، مع تواجد بعض الأصدقاء من خارج المغرب الكبير، وقد صرنا بفضل وسائل التواصل الاجتماعي عائلة كبرى تمتد إلى كل بقاع العالم”.

17