معضلة التنظيمات الجهادية في إدلب

هيئة تحرير الشام تبدو أكثر قوة مما هي عليه، والحقيقة أنها في تراجع؛ فسياسة أبومحمد الجولاني، زعيم الهيئة، التي تراوحت بين التشدد ومحاولة الظهور بمظهر الاعتدال، أضعفت التنظيم عقائديا، وتسببت بالكثير من الانشقاقات.
الأحد 2020/03/22
مأزق تركيا الأبرز في سوريا

اصطدم تنفيذ بنود اتفاق “موسكو” في 5 مارس الحالي، بمعضلة إبعاد الفصائل المتشددة عن المنطقة الآمنة بعرض 12 كيلومترا، بين بلدتي ترنبة غرب سراقب وحتى تل حور بريف جسر الشغور، يتوسطها الطريق الدولي أم4 بين اللاذقية وحلب.

أن يتم تسيير دوريات من الطرف التركي فقط، رغم تعرضها لاستهداف قتل جنديين منها وجرح الثالث، له مدلولاته؛ وهي تأمين هذه المنطقة، بما في ذلك إبعاد المحتجّين عن الطريق، وإبعاد التنظيمات المتشددة المتواجدة هناك، وهي بشكل رئيسي تنظيم حراس الدين وهيئة تحرير الشام، كل ذلك هو مهمة تركيا وحدها.

فشل الطرفان، التركي والروسي، من قبل في تطبيق اتفاق سوتشي في سبتمبر 2018، بخصوص المنطقة العازلة في إدلب بعرض 15 إلى 25 كيلومترا، والذي كانت مهمة تركيا فيه أيضا إبعاد التنظيمات الجهادية ونزع السلاح، وتطويع الفصائل المعتدلة تحت إمرتها.

حينها لم يحترم النظام السوري وقف إطلاق النار، ما أعطى أنقرة حجة لعدم المضي في مهمة حل معضلة الجهاديين؛ بل سمحت حينها بحصول العكس، حيث هاجمت هيئة تحرير الشام الفصائل المتواجدة في إدلب وريف حلب، وسيطرت على 80 في المئة من مناطق المعارضة.

رغم أن تركيا تصنّف “جبهة النصرة”، الفصيل المسيطر على تنظيم هيئة تحرير الشام، على أنها تنظيم إرهابي، إلا أنها لم تقم بمواجهة عسكرية معها، على غرار موقفها من تنظيم داعش أو حزب العمال الكردستاني. فضلت الحلول السلمية، حيث قامت بتشكيل الجيش الوطني الذي يضم المعتدلين من الفصائل، من أجل جذب العناصر غير المتشددة في الهيئة، وحصول انشقاقات فيها.

فيما فشلت محاولات “الجبهة الوطنية للتحرير”، التي انضمت مؤخرا إلى الجيش الوطني، وتضم 11 فصيلا معتدلا عاملا في إدلب، فشلت في ضم هيئة تحرير الشام مؤخرا، بعد رفضها شروط الهيئة حول أن تكون القيادة للأخيرة.

تبدو هيئة تحرير الشام أكثر قوة مما هي عليه، والحقيقة أنها في تراجع؛ فسياسة أبومحمد الجولاني، زعيم الهيئة، التي تراوحت بين التشدد ومحاولة الظهور بمظهر الاعتدال، أضعفت التنظيم عقائديا، وتسببت بالكثير من الانشقاقات؛ فإعلان فك ارتباطه بتنظيم القاعدة في يوليو 2016، ثم التحالف مع عدد من الفصائل، في يناير 2017، تسبب بانشقاقات كبيرة من الأطراف المتشددة ضمن الهيئة.

وعسكريا، هي لم تشارك بقوة في المعارك الأخيرة، رغم امتلاكها الأسلحة والذخائر التي صادرتها من الفصائل الأخرى خلال سنوات سيطرتها على المنطقة، ومن غير المؤكد أنها تمتلك بالفعل قوة عسكرية ذات قيمة، رغم كثرة تعداد عناصرها، وقدرتها على الاستقطاب المحلي.

أما عقائديا، فتراجع الهيئة عن الانتماء لتنظيم القاعدة أفقدها العناصر الأكثر تشددا، فيما ظلّت تعتمد على العنصر المحلي، الذين يمكن وصف حالة التشدد لديه بالطارئة، نتيجة عجز الفصائل الأخرى على التوحد، ونتيجة الرواتب وجملة الميزات التي تقدمها الهيئة مقابل ما تفعله فصائل أخرى.

واقتصاديا، تعتمد الهيئة غالبا على مصادر محلية، عبر سيطرتها على الموارد المتاحة، خاصة الاتصالات وتجارة المحروقات والمعابر، وتعتمد على حكومة الإنقاذ، جناحها المدني، في تحصيل الضرائب والإتاوات، مع تراجع التمويل العالمي للجماعات المتشددة في سوريا.

واجتماعيا، الهيئة منبوذة، بسبب ممارسات التفقير، والتضييق الأمني عبر معتقلاتها، وملاحقة الناشطين، وقد قامت مظاهرات في إدلب لإسقاطها.

وسياسيا، رغم أنها لا تقطع علاقاتها مع الجانب التركي، إلا أنها لا تمتثل لإرادته، ورفضت مرارا الانضمام إلى فصائل تابعة لأنقرة، وبالتالي باتت عنصرا ضعيفا أمام تعداد الجيش الوطني، وأمام تواجد قوات تركية مباشرة في المنطقة، وبتسليح عال، ومن الممكن هزيمتها إذا ما قرر الروس إعطاء تركيا والفصائل المعارضة التابعة لها الفرصة الكافية لهزيمة تنظيم الهيئة، وهو ما يبدو أنه سيحدث في المرحلة القادمة.

أما بقية التنظيمات الأكثر تشددا، فوضعها مختلف، كونها تنظيمات منغلقة على ذاتها، والعنصر الأجنبي هو قوامها الأساسي، ولم تعد قادرة على جذب المتطرفين الجدد من دول العالم، بسبب تراجع سوريا كساحة ملائمة لعمل هذه التنظيمات، حيث تم دحر تنظيم داعش، وضاقت مساحات سيطرة المعارضة، إضافة إلى إغلاق الحدود التركية مع سوريا في وجه المتشددين، كما كانت تفعل من قبل.

فتنظيم حراس الدين من التنظيمات المتشددة المنشقّة عن جبهة النصرة، يضم قرابة 1000-1500 مقاتل، يسيطر عليه متطرفون من كل دول العالم، خاصة الأردن وتونس، ويتبع تنظيم القاعدة، وليس له قيادة هرمية، بل مجموعات تنفذ العمليات وفقا لما تراه مناسبا؛ تلقت ضربة قاسية بغارة أميركية منتصف العام الماضي، استهدفت اجتماعا لأعضائها. ومن الممكن تكرار القصة من قبل التحالف أو الروس أو الأتراك.

وبالمثل تنظيم الحزب الإسلامي التركستاني، المنعزل على نفسه، والذي أيضا ليس له حاضنة شعبية. فيما تراجع حجم أنصار التوحيد وأنصار الدين نتيجة مشاركتهما في المعارك الأخيرة، وقتل الكثير منهما.

بكل الأحوال، معظم التنظيمات المتشددة، عدا هيئة تحرير الشام، تدرك درجة ضعفها، فأغلبها خامل عسكريا، ولا يقوم بعمليات منفردة، وغالبا ما تتحالف مع فصائل أخرى لتنفيذ العمليات، كما تفعل حراس الدين في غرفة “وحرض المؤمنين”. وما يحميها هي الجغرافيا الوعرة والمحدودة التي تتواجد فيها، وبالتالي من الممكن أن تفيد الضربات المركزة في إضعافها.

هيئة تحرير الشام هي المعضلة الأصعب التي ينبغي على تركيا تجاوزها، لضمان استمرار الاتفاق؛ وما زالت أنقرة تراهن على الضغوط السلمية والحشد العسكري لإخضاع الهيئة، وقبولها الانضمام إلى الجيش الحر تحت إمرتها، ما يعني تأجيلها الحل العسكري، خصوصا مع ارتفاع عدد الجنود الأتراك الذين قتلوا في المعارك الأخيرة إلى 60، وحذر حزب العدالة والتنمية من خوض معارك استنزاف جديدة؛ لكن أنقرة أيضاً ملزمة بالإسراع بحل الهيئة، تحت ضغط نفاد صبر الروس.

معضلة حل هيئة تحرير الشام تكمن في تنظيمه الهرمي، وارتهانه لفكر قائده أبومحمد الجولاني، الذي يجيد المراوغة والتحايل والتحالفات، وتغيير مظهر الهيئة، ومظهره الشخصي، لكن العقيدة الجهادية تبدو راسخة لديه، ولا قدرة له على التخلي عنها لصالح اندماج تنظيمه مع الفصائل الأخرى.

ما يعني أن تصفيته باتت شرطا، يستوي على مهل، لدى الأتراك والروس وربما الأميركان، لحل هيئة تحرير الشام.

5