معضلة التوثيق في الإعلام الإلكتروني

تتمتع الذاكرة الإلكترونية بمرونة تصل إلى درجة التزييف أحيانا، بإضافات تخضع للأهواء، وتستجيب لحروب يسهل فيها التحايل على التكنولوجيا.
الاثنين 2019/09/23
الأصل غير قابل للتزييف

ليس الحنين إلى ثقافة ورقية، تخطو إلى متحف التاريخ، سببا في أن نقول “المجد للورق”. فهذا سجلّ يصعب طيّه، على العكس من مفاجآت مؤلمة، وكم احتفظنا في حساباتنا الفيسبوكية، أو في ملفات خاصة، بروابط لمقاطع فيديو في يوتيوب، ثم نعود إليها ونفاجأ باختفائها، واستحالة التوصل إليها، فهذا الفضاء يبتلع مواد وثائقية نادرة، ويمسح أحيانا ذاكرة إلكترونية لمؤسسات صحافية كبرى.
جرى هذا قبل سنوات عند تطوير الموقع الإلكتروني لمؤسسة دار الهلال، وبدأ العداد من الصفر، من يوم تحديث الموقع. ومنذ منتصف يونيو 2019 أُغلقت المواقع الإلكترونية للمؤسسات الصحافية الحكومية في مصر، ولا سبيل إلى استعادة أرشيفها الإلكتروني وهو ذاكرة للعشرات من إصداراتها الورقية، أو متابعة المواد الصحافية الجديدة إلا بالاطلاع المباشر على النسخ الورقية.

هذا الأمر يثير معضلة التوثيق الإلكتروني. فالأرشيف الورقي يشبه الفيلم الفوتوغرافي القديم، له عمر افتراضي، ولا يسمح بالتقاط الصورة إلا مرة واحدة، ولا يضيف جديدا بعد تثبيت التفاصيل الأولى للصور بالأحماض، ولا يُستخدم الفيلم مرة ثانية. في حين تتمتع الذاكرة الإلكترونية بمرونة تصل إلى درجة التزييف أحيانا، بإضافات تخضع للأهواء، وتستجيب لحروب إعلامية يسهل فيها التحايل على التكنولوجيا وترويضها.

يمتاز الإعلام الإلكتروني بالبث الحي، مباشرة إلى أي مكان في العالم بالصوت والصورة، والقدرة على مخاطبة من يستطيعون الاستماع أو الرؤية ولو كانوا أميين، فضلا عن الكشف العاجل عن السرقات، ويكفي إجراء مجسات على كلمات موضع شكوك، أو سطور يشتبه بها، للوصول إلى مصادرها. ومن مخاطره إفساد جيل من الصحافيين يستسهلون النقل والتحايل، بإعادة تدوير الأفكار وفقا لمهارات اللص. وإن كان رؤساء الأقسام ومديرو التحرير، بأقل مجهود، يتمكنون من وضع أيديهم على مواطن السرقة.

يعيب النسخة الأخيرة، من معارك الإعلام الإلكتروني، أن أصحابها قد يحجبونها، أو يحذفها القراصنة من الهواة أو المحترفين في الأجهزة الأمنية، ويضعون أحيانا بدلا منها مادة نقيضة بالعنوان نفسه

فهل يكفي اعتماد صحافي أو باحث أكاديمي أو مؤلف على مصدر متغير يتاح للمسؤول عنه أن يتلاعب في محتواه، وقد يغلقه تماما؟

تعرضت لهذا الاختبار، في كتابي “الثورة الآن”، وفيه مقدمة توثيقية طويلة تستند إلى كتب ومقالات وتقارير وتصريحات منشورة ورقيا، باستثناء فقرة من مقال وثقتُ تاريخ نشره في صحيفة حكومية يومية، من دون رؤية أصله الورقي، واكتفيت بوجود هذه الفقرة في موقع إلكتروني وكذلك ضمن مقال لكاتب آخر في صحيفة حكومية ورقية. وطمأنني هذا الاتفاق بين كاتب المقال الورقي ومحرر الموقع الإلكتروني. وقبل تسليم الكتاب إلى الناشر، قلت لنفسي إن كل المصادر موثقة بشكل مباشر، إلا هذا الرأي. فماذا لو أتعب، وأقرأ الأصل المنشور في يوليو 2007 في الصحيفة؟

كان المقال منشورا بعنوانه وتاريخ نشره، ويخلو من هذه الفقرة، ويمكن القول إنها تتهم الكاتب بالممالأة. واسترحت لبراءة ساحته، وحذفتها على الفور، وغيّرت سياقا يخص المكتوب والكاتب الذي قابلته في الشهر التالي، أكتوبر 2011، في مهرجان أبوظبي السينمائي، وسألته مستنكرا وجود “فقرة مدسوسة” على المقال، في موقعين، لأحدهما أصل في صحيفة حكومية ورقية، فقال إن هذه الفقرة ضمن المقال، وقد اختصره رئيس التحرير، ولكنه نشر المقال كاملا في صحيفة وزارة الثقافة. فقلت له وأنا لا أصدق “أنت محظوظ، ربنا يحبك”، فاندهش وأخبرته أنني ثبتّها ثم حذفتها لما راجعت المقال “المختصر” “نجوْت مني؛ لأن الكتاب في المطبعة”. وحكى عن مواقفه، وأشهد أنه كان مناصرا لثورة 25 يناير 2011 منذ البداية، منحازا إلى الحرية والتغيير.

وفي اليوم التالي، سألني الناقد السينمائي المصري علي أبوشادي “لماذا أغضبت فلانا؟”، فرويت ما جرى في حضور الناقد السينمائي العراقي انتشال التميمي. ثم صدر الكتاب، وكنا عائدين من مهرجان “أوسيان سيني فان للسينما الآسيوية والعربية” بنيودلهي، وفتحت الكمبيوتر، وقلت لانتشال: “كنت شاهدا، فاقرأ الفقرة موضع الجدل”، ليرى هل تحتمل وجهتيْ نظر؟ وهذا نصها:

“لا يمكن تجاهل أنه في نفس الوقت الذي كان يصور فيه فيلم (عمارة يعقوبيان) كان (المنتج) عماد أديب يشترك في الحملة الانتخابية للرئيس مبارك عام 2005 بإجراء حديثه التلفزيوني المطول معه، وأن مروان حامد مخرج الفيلم الرسمي للانتخابات، وأن (كاتب السيناريو) وحيد حامد أعلن في مقالاته السياسية وأحاديثه للصحافة والتلفزيون أنه يؤيد ترشيح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية طالما هناك انتخابات… وأن عادل إمام أعلن بدوره أنه يؤيد ترشيح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية طالما هناك انتخابات. فهذه المجموعة من الفنانين تعمل في السينما السائدة. وفي إطار النظام السياسي… فالفيلم الذي كتبه وحيد حامد وأنتجه عماد أديب وأخرجه مروان حامد يعبر عن سينما الإصلاح السياسي الذي تقوده أمانة السياسات في الحزب الحاكم برئاسة جمال مبارك، والتي تواجه شبكة مركبة وراسخة من أعداء الإصلاح التي قررت وراثة مصر أيا كان رأس الدولة. وربما هي التي تثير قضية وراثة جمال مبارك حتى تعوق الإصلاح، وحتى تخفي قرارها متجاهلة تأكيد الرئيس مبارك على أن مصر ليست مثل سوريا، ومتجاهلة تأكيد جمال مبارك استحالة توريث الحكم في مصر”.

يمتاز الإعلام الإلكتروني بالبث الحي، مباشرة إلى أي مكان في العالم بالصوت والصورة، والقدرة على مخاطبة من يستطيعون الاستماع أو الرؤية ولو كانوا أميين

“الثورات يذهبن السيئات”. وقد ذهبت هذه الفقرة إلى النسيان، ونسخها حسم الاختيار بين الدكتاتورية والحرية، كما سيذهب الكثير من المواد الإعلامية المصورة التي تضخّها مواقع التواصل الاجتماعي إلى النسيان.

وفي التراشق الإعلامي والسياسي في مصر، يبث أحدهم مقطع فيديو، وعلى الفور يردّ مستهدَف ورد اسمه أو صفته بمقطع آخر، فيدخل ثالث ساحة المقاطع المصورة، ليقضي بين الطرفين أو يسبهما ثم ينحاز إلى أحدهما. وليست هذه الحروب إلا نسخة عصرية من معارك قديمة بالقصائد المرتجلة، ثم بالمقالات الصحافية. وما يعيب النسخة الأخيرة، من معارك الإعلام الإلكتروني، أن أصحابها قد يحجبونها، أو يحذفها القراصنة من الهواة أو المحترفين في الأجهزة الأمنية، ويضعون أحيانا بدلا منها مادة نقيضة بالعنوان نفسه، وهو شرَك صعب تفاديه والتنبؤ به إلا بعد الوقوع فيه.

آمل أن أطمئن إلى مستقبل التوثيق الإلكتروني، بعيدا عن التزوير والاحتيال، لكي لا يحكم علينا أحمد شوقي من قبره، متحدّيا بهذا البيت:

لكل زمان مضى آية/ وآية هذا الزمان الصحف.

18