معضلة المتحولين إلى الإسلام

الاثنين 2014/10/27

يأتي الحادثان الإرهابيان اللذان شهدتهما كندا الأسبوع الماضي ليُسلطا الضّوء على معضلة آخذة في الاستفحال: المتحولون الجدد إلى الإسلام والذين يختارون حرق المراحل والذهاب مباشرة إلى “الفريضة الغائبة”، القتال! ذلك القتال الذي كرهه المسلمون الأوائل أنفسهم -وفق توصيف النص القرآني- مع صحبتهم للرسول ويقينهم بالجزاء الأخروي دون احتساب مغانم الغزوات، وأما هؤلاء المتحولون الجدد إلى الإسلام، فبعضهم ما إن ينطق بالشهادة حتى ينطلق للاستشهاد في جبهات القتال تحت إمرة المنظمات الجهادية المتطرفة، في أفغانستان أولاً، وفي سوريا والعراق مؤخراً. وهذا مستغرب بكل المقاييس.

الإرهابي الذي دهس يوم الإثنين الفارط جنديين في كبيك بكندا وقتل واحدا منهما، وتوفي أثناء انقلاب سيارته عقب مطاردته من طرف رجال الأمن، لم يمض على إسلامه زمن طويل حتى اقترف جريمته وانتهت حياته على ذلك النحو المأساوي. والإرهابي الذي قتل يوم الأربعاء الفارط جنديا ثانيا أثناء هجومه المسلح على البرلمان الفيدرالي الكندي بمدينة أوتاوا، قبل أن يلقى حتفه برصاص الأمن، هو الآخر من المتحولين إلى الإسلام.

الإرهابي الثاني يدعى مايكل زيهاف، مدمن وسجين سابق، تحيل سوابقه إلى ملاحظة مقلقة، حيث أنّ الكثير من المتحولين الجدد إلى الإسلام هم من أصحاب السوابق، وعدد منهم خضع لتجربة العلاج من الإدمان، وهي تجربة صعبة وغير مضمونة الشفاء كما يؤكد معظم أخصائيي العلاج من الإدمان، لاسيما بالنسبة للمخدرات القوية.

مثال آخر، الشقيقان الفرنسيان ديفيد وجيروم كورتاريير، غرقا في المخدرات ثم تحولا إلى الإسلام في أحد مساجد بريطانيا عام 1996، وذلك أثناء رحلة علاجهما من الإدمان. لكن سرعان ما انخرطا في الإرهاب العالمي، وانتهى بهما المطاف إلى الاعتقال بتهمة الانتماء لشبكة إرهابية عالمية (أحدهما اعتقل في بريطانيا بعد عودته من أفغانستان، والثاني اعتقل في هولندا). وفي الولايات المتحدة خلال تسعينات القرن الماضي، تحول جوزيه باديلا إلى الإسلام عندما كان في أحد سجون ولاية فلوريد، قبل أن يعتقل مرّة أخرى بتهمة التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية.

معضلة الكثير من المتحولين الجدد إلى الإسلام أنهم لا يتحولون إلى الإسلام بشكله العام، ولا يختارون الإسلام الصوفي كما فعل مراد هوفمان، ولا الإسلام العقلاني كما فعل روجيه غارودي، لا يختارون إسلام ابن سينا أو ابن رشد، ولا إسلام الجابري أو سروش، ولا حتى إسلام الأهالي الطيبين البسطاء، وإنّما يختارون مباشرة إسلام ابن تيمية وسيد قطب والقرضاوي والظواهري والزرقاوي وهلم جهلا، ومن ثم فإنهم يفوتون على أنفسهم فرصة اكتشاف المظاهر الحضارية في الثقافة الإسلامية، فلا يعرفون شيئا عن إلهيات ابن سينا، وجبريات الخوارزمي، وبصريات ابن الهيثم، ورباعيات الرومي، وخمريات ابن الفارض، ولزوميات المعري، وغراميات الخيام، لا يعرفون شيئا عن فنون الطبخ في المجتمعات الإسلامية، ولا عن مقامات الموسيقى الشرقية، ولا عن الثقافات الشعبية لدول الجنوب، ولا عن التراث الفني والجمالي والمعماري والشعري للحضارة الإسلامية، ولا يريدون معرفة أي شيء، جاهلون، فاشلون، متساقطون على طريق الرقي الإنساني، عاجزون عن اللحاق، لا يعول عليهم في تحسين صورة الإسلام أو تحديث الخطاب الإسلامي، وإنما خلاف ذلك، يزيدون العبء ثقلا، وقد يجعلون الإسلام مجرد ملاذ لأصحاب السوابق والميول الإجرامية.

فعلا، لا يزال الجهاديون “البيض” يمثلون أقلية داخل “أمة الإسلام”، لكنهم سرعان ما أصبحوا نقطة قوة بالنسبة للشبكات الإرهابية، وذلك بسبب صعوبة رصدهم وسهولة حركتهم عبر الحدود والمطارات، وأيضاً بسبب هامش الحرية الذي يتمتع به المواطن داخل المجتمعات الغربية. وتلك هي الامتيازات التي لا يحظى بها الجهاديون ذوو الأصول والجنسية والملامح العربية أو الآسيوية، لاسيما داخل بلدانهم الأصلية.

في كل الأحوال فإنّ المتحولين الجدد إلى الإسلام يسائلون ثلاث فرضيات:

الفرضية الأولى، وهي الادعاء بأنّ أساس الإرهاب هو الاستبداد المنتشر في دول الشرق الأوسط. وطبعا فإن الاستبداد مرفوض، ومقاومته واجبة على قوى التنوير، لكن إدعاء أن الديمقراطية تمثل الحل النهائي لمعضلة التطرف الديني غير صحيح؛ فإنّ المتطرفين “البيض” هم أبناء مجتمعات ديمقراطية، ثم أنّ وجود ديمقراطية راسخة في تركيا وأندونيسيا لم يعد سداً منيعاً أمام التّغلغل الجهادي المتطرف داخل هذه المجتمعات، لاسيما في الآونة الأخيرة.

الفرضية الثانية، وهي الإدعاء بأنّ أساس التطرّف هو انتشار المعرفة الواسعة بالإسلام وبالثقافة الإسلامية وباللغة العربية إلخ، وهذا ليس صحيحاً البتة، فإنّ معظم قادة التطرّف العالمي تخرجوا من الدراسات العلمية الحديثة، ودرسوا باللغات الأوروبية. والجهاديون “البيض” أنفسهم دليل على أن الطريق من الإسلام إلى الإرهاب يكون أكثر سهولة حين لا يمتلك الإنسان أي فكرة عن ظروف جمع القرآن وتدوين الأحاديث وصراع الصحابة والإبداع العلمي والفكري والفني للعصر العبّاسي إلخ. وإلا فإنّ كبار المستشرقين المتخصصين في دراسة الإسلام، والذين يحظون باحترام المسلمين أنفسهم، لم ينتهوا إلى اعتناق الإسلام، اللهم قلة منهم دون أن تستهويها فكرة الجهاد.

الفرضية الثالثة هي الادعاء بأن انتشار الإسلام يظل عنصر قوة وفخر-رغم ترديدنا للحديث النبوي المشهور “…ولكنكم غثاء كغثاء السيل…”-، والواقع أن قوّة أي جماعة دينية أم وطنية هي في نوعية الأشخاص الذين تستقطبهم. هذا ما لا تدركه الجمعيات الدعوية العاملة في المجتمعات الغربية، أو هي على الأرجح ليست مؤهلة لفعل ذلك. وليس عبثا أن تجري الكثير من الدول المتقدمة اختباراً قبل منح الجنسية لطالبيها لأنّ العبرة ليست بالعدد. ولو كانت القوّة في العدد لجنست أميركا نصف سكان الأرض. المشكلة في نوعية العقول التي تستقطبها أي جماعة أكانت دينية أم وطنية. وإذا بقي المسلمون يركزون على التكاثر العددي فقريبا سيصبح الإسلام، هذا الدين العظيم، مجرّد ملاذ للناقمين والمحبطين والمجرمين والمتساقطين على طريق الرقي الإنساني.


كاتب مغربي

9