معلم أثري مازال يحكي أوجه حياة تختلف فيها المشاهد

إن دراسة العمارة العمانية تعدّ واحدة من مفردات استقراء التاريخ وسبيلا إلى الغوص في بحره بحثا عما يحتضنه من درر ومكنونات، هذا إلى جانب ما نجده مسطرا بين جنبات المباني وعلى جدرانها وأسقفها وأبوابها من حروف وكلمات وأسطر، تنقل لما يأتي من أجيال صورا ناصعة عن أشكال الحياة في تلك العهود.
السبت 2015/09/26
شواهد للأجيال المتعاقبة تحكي كفاح الأوائل

مسقط - يدرس الباحث العماني محمد بن عامر العيسري في كتابه “البيت العود: شموخ العمارة وسطور التاريخ” معلما معماريا من معالم قرية السباخ بولاية إبراء حيث يقدم سردا تاريخيا شائقا، يمهد فيه للحديث عن الانتعاش الاقتصادي الذي عاشته زنجبار وأثر ذلك على النمو العمراني في سلطنة عمان ثم يعرج إلى بسط الحديث عن قصة بناء البيت العود.

ويهدف المؤلف من هذا الكتاب إلى توثيق الكثير من الكتابات التي خطت على كثير من جدران البيت العود الشرقي خلال فترة زمنية طويلة مقسما تلك الكتابات حسب مواضيعها.

يقول العيسري عن الكتاب “وفي ما يلي من صفحات نحن أمام واحد من المعالم الحضارية التي تزخر بها قرية السباخ التي لا تزال تحتفظ بعدد من تلك المآثر لتبقى شواهد للأجيال المتعاقبة تحكي كفاح الأوائل ومكابدتهم لَأْواء العيش، وعظمة منجزاتهم ورسوخ أقدامهم”.

ويضيف المؤلف إنه “ليس من قبيل المبالغة إن جزمنا بأن البيت العود هو أضخم بناء تقليدي لا يزال حاضرا، شهدته قرية السباخ حتى يومنا هذا، ومع أن عهد البناء يسبق عهدنا ما يزيد على قرن ونصف إلا أنه لا يزال يحكي أوجه حياة تختلف فيها المشاهد تماما عن واقعنا المعيش، وليس ثمة شيء يصدق ما ذهبنا إليه مثل تلك الأسطر التي جاد بها يراع الأوائل في جدران البيت العلوية، والتي حفظت لنا ما كان يمكن أن ينسحب إلى طيّ النسيان وغياهب الزمن لولا بقاؤه في تلك الجدران الشامخة”.

وتنبع أهمية هذا الكتاب من كونه يوثق لتاريخ (البيت العود الشرقي) من خلال الرجوع إلى عدد كبير من الوثائق والمكاتبات الخاصة سواء تلك المتعلقة بالمؤسس الأول للبيت أو من تلاه من ملاك وأفراد أسرهم، كما لم يهمل الباحث القيمة التاريخية التي تمتلكها الروايات الشفهية، فهو بهذا قد رسم صورة متكاملة عن هذا المعلم، وقدّم عبر هذا الكتاب تجربته في حفظ التراث العماني من خلال دراسة وتوثيق الكتابات الجدارية التي عادة ما تكون عرضة للعبث والإهمال والاندثار.

نجد العيسري في مقدمة الكتاب يلفت نظر القارئ إلى الأهمية التي تشكلها المعالم الأثرية في ولاية إبراء وأهمية دراستها والحفاظ عليها، حيث يقول “إن قرى وأحياء مدينة إبراء تزخر بالكثير مما خلده الأجداد من أبنية شامخة تكاد تنفرد ببعض ملامح هندسة البناء التقليدي، ناهيك عن ضخامتها وشموخها وصمودها أمام عوامل الزمن التي تكاد تأتي عليها لتجعلها أثرا بعد عين ما لم تتداركها أيدي العناية والترميم”.

16