معلولا.. من أرضها المباركة خاطب المسيح ربه بالسريانية التي أعطت سوريا اسمها

الثلاثاء 2013/09/10
أكثر القرى شهرة في العالم المسيحي

تعد بلدة معلولا بريف دمشق الغربي أحد أقدم المدن والقرى الآرمية في سوريا والعالم، وذات الآثار التاريخية المحفورة في الصخر، والمبرقشة بيوتها العجيبة بما في ألوان قوس قزح وخليطها. وهي شهيرة في العالم المسيحي بمعالمها الدينية الأثرية من كنائس وأديرة يعود تاريخها إلى القرن العاشر قبل الميلاد، كدير «مار سركيس» ودير «مار تقلا»، اللذين صنفتهما منظمة (اليونسكو) على أنهما من أهم الآثار المسيحية في العالم وأقدمها. إضافة إلى هذا، فإنّ ما احتفظت به هذه البلدة القديمة من آثار الحضارات التي تعاقبت عليها، بما فيها الآرامية واليونانية والرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية أكسبتها تلك الشهرة المحلية والعالمية.

على بعد 55 كلم من العاصمة السورية دمشق تقع معلولا، بين السلسلتين الجبليتين الثانية والثالثة من منطقة القلمون، في لحف جبل معلولا الذي ترتفع قمته إلى 1913 مترا، وهو من أجمل الجبال الجرداء في سوريا في حصن جبلي وادع، تحيط بها جبال صخرية. وهي ترتفع عن سطح البحر نحو ألف وخمسمائة متر.

والبلدة ذات أغلبية مسيحية وفيها عدد من المسلمين السنة وهم يتعايشون منذ مئات السنين. ومازال سكانها من المسيحيين والمسلمين يتحدثون ليومنا هذا باللغة الآرامية (السريانية) التي أعطت سوريا اسمها. لغة سيدنا عيسى (عليه السلام) الذي خاطب ربه بالسريانية على الصليب: «إيلي .. إيلي. لمّا شبقتني» (إلهي .. إلهي .. لماذا تركتني).

أثبتت الدراسات التي قامت في جبل معلولا وجروفه الصخرية أن الإنسان قد سكن هذه المنطقة منذ عصور ما قبل التاريخ، بدءا من إنسان (كرمانيون) الذي عـاش في الفترة (من 200 – 40 ألف سنة قبل الميلاد) – كما يقول الآثاريون – حتى الإنسان العاقل الأكثر تطورا، الذي عاش في الفترة (ما بين 10 – 7 آلاف سنة قبل الميلاد).

ومن أشهر آثار معلولا المسيحية والتي تعدّ بالعشرات، الكنائس – كثير منها بني على أنقاض معابد وثنية تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، مثل هيكل «حمام الفسق» الذي بنيت في موقعه كنيسة «التوبة» -، والمغاور: وهي نفسها معابد «إله الشمس» التي تحولت مع انتشار النصرانية إلى معابد للمسيحيين.

ودير القديسين «سرجيوس» و«باخوس»، وهو من أقدم الكنائس ليس في معلولا فحسب، بل في سوريا والعالم، وقد حافظت هذه الكنيسة على ما كانت عليه منذ إنشائها في الفترة (من 312 – 325 للميلاد)، بعد صدور المرسوم القسطنطيني الذي سمح بالحرية الدينية، وحرية المعتقد، وتقع في أعلى الجرف الصخري الذي يخص القرية. ويذكر أن «سرجيوس» و»باخوس» كانا قائدين عسكريين أصلهما من مدينة «سرجيو بوليس» (الرصافة) رفضا العودة إلى العقيدة الوثنية، بعد أن اعتنقا المسيحية واستشهدا من أجلها. وتحتفظ هذه الكنيسة ببعض الأيقونات العائدة إلى القرن الثالث عشر وهناك دير «مار تقلا» المشهور بكهفه التاريخي، الذي يعتقد بعضهم بأن القديسة الشهيدة «تقلا» – تلميذة القديس «بولص» – عاشت وماتت فيه.

ويتم الوصول إليه عبر سلسلة من الأدراج والمصاطب الصخرية، وأمام الدير يقوم (الفج الصخري الجميل). والفج الشرقي هو الممر القديم الوحيد الذي كان يربط بين دير «مار تقلا» ودير «مار سركيس» في الأعلى، وليس هناك من دليل على أن هذا الدير يعود إلى الفترة البيزنطية وربما يعود إلى القرن 18 ميلادي.

من آثارها الشهيرة أيضا أوابدها متعددة الأغراض والمقاصد، والتي تصادف الزائر على كل شبر من معلولا، سواء تلك التي تعود إلى عهود ما قبل التاريخ، وهي في معظمها كهوف طبيعية كبيرة سكنها إنسان ما قبل التاريخ، مع ما أدخله عليها من تعديلات.

أوابد يعود بعضها للعهد الوثني وهي عديدة ومتنوعة، منها: معبدا إله الشمس وحمّام الملكة / أو الحمّام الإمبراطوري، و صخرة الآلهة في الجهة الشرقية من البلدة وهي صخرة مرتفعة في أعلاها ثلاثة قبور وفي جهتها الشرقية نحت نافر يمثل إلهين متقابلين الأول ذو لحية وفوق رأسه إكليل وعلى عاتقه الأيمن عبارة يونانية، والثاني يعتقد أنه تمثال للربة أثينا وفوق رأسيهما قوس من الكتابة اليونانية، والنصب التذكاري الجنائزي، والمدافن.

ويذكر المؤرخون أنه كان للبلدة سور يلتف حول بيوتها القديمة لحمايتها من أي عدوان. وفيها معاصر العنب والزبيب والزيتون، التي مازال بعضها قائما حتى اليوم.

وتبدو روعة بيوت البلدة وهي تتشبث بالجبل، كما تتشبث أعشاش الطيور بأعالي الشجر وشواهق الصخور. وتشكل البيوت فيها – وهي تلتصق بجبل عمودي مشرف عليها – مدرّجا تكاد تنعدم فيه الطرق، فنرى أسطح البيوت الدنيا أرضية للبيوت التي فوقها إذ يرتفع بعضها فوق بعض، حيث تحولت أسطح المنازل إلى أروقة ومعابر لما فوقها من بيوت مما يوحي بتعايش الأخّوة والانفتاح على الجار.

وهذا خلق علاقة حميمية رائعة بين السكان يلمسها كل من يـزور الــبلدة.

وفي معلولا جامع قديم أُعيد بناؤه وترميمه في الخمسينات من القرن الماضي، له منارة مربعة، وهو دليل التسامح الديني الذي عُرفت به المنطقة على مرّ العصور.

ولقد غذّت البلدة الآرامية السورية مخيلات الفنانين السوريين بموقعها السحري فجاءت إبداعاتهم في غاية الجمال.

6