معنى احترام الأديان

الاثنين 2016/02/01

“سأذهب إلى السجن مرفوعة الرّأس وأعتبرها فترة للتأمل والإبداع”.. بهذا الكلام المُفعم بكل معاني العزيمة والشّهامة، اختارت الكاتبة التنويرية فاطمة ناعوت أن تُعلق على الحكم الصادر في حقها بالسجن ثلاث سنوات، مؤكدة في الأخير بأنّ احترامها للقضاء المصري، بصرف النظر عن أحواله، لن يثنيها عن مواصلة معركة إسقاط قانون “ازدراء الأديان” سيء السّمعة وسيء الاستعمال. سيء السّمعة لأنه يُذكرنا بمحاكم التفتيش، وسيء الاستعمال لأنه لا يُستعمل ضد شيوخ الفتنة الذين لا يكفون ألسنتهم عن سب وشتم ولعن سائر الأديان والمذاهب الأخرى، ما يعني أن المستهدف ليس سوى نساء ورجال النقد الفكري والثقافي والإبداعي.

هذا ما تبينه موجة محاكمة أصوات التنوير في أرض الكنانة، وفي غمرة ما يفترض أنه حرب على الإرهاب التكفيري. هل فقدنا البوصلة إلى هذا الحد؟ المؤكد أن تعليق فاطمة ناعوت الخالي من بكائيات العجائز التي يتقنها البعض، أسقط بالضربة القاضية حسابات الخصوم، وبذلك فوتت عليهم فرصة كسر شوكتها التي توخز بها العقول النّائمة مثلما كان يفعل سقراط. لعلها بتلك الشجاعة السقراطية في الرد على قرار سجنها استطاعت النأي بالنفس عن معارك النّفَس القصير، حتى تواصل معركة التنوير وهي تمشي الهوينى ببسمتها المعهودة وسط حقل من الألغام المبثوثة والأحقاد المنفوثة. واجهت فاطمة ناعوت الحكم برباطة جأش كأنّما لسان حالها يقول بكل رفعة وترفّع: لا أعرف لله حرّاسا، أعرف فقط من ينتحلون هذه الصفة زورا وجورا.

التّهمة هي نفسها، لن نجد لها تبديلا منذ محاكمة سقراط قبل 2500 سنة بالتمام إلى غاية اليوم “ازدراء الأديان”. هي نفس التهمة الفضفاضة التي وجهت إلى الباحث والإعلامي إسلام البحيري قبل الحكم عليه بخمس سنوات تم خفضها إلى سنة. قبل ذلك كان القضاء المصري قد حكم على الكاتب كرم صابر بخمس سنوات سجنا لنفس التهمة، وقبل ذلك بسنوات عديدة وجهت التهمة نفسها إلى نصر حامد أبوزيد، ونوال السعداوي، ويوسف زيدان. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فمن المرتقب أن تصدر إحدى محاكم الأحداث في مصر (بني مزار بالمنيا) هذه الأيام حكما بالسجن في حق أربعة أطفال بتهمة “ازدراء الأديان” بعد قيامهم بتشخيص نص مسرحي مدته دقيقتان فقط، وكان مدرسهم جاد يوسف قد عوقب بثلاث سنوات سجنا بعد قيامه بتصوير المسرحية.

المستغرب أن الأمر يتعلق بعقوبة ليس لها من أساس في ما يسمى بالشريعة الإسلامية، ولا هي مستمدة من أي نص ديني. والسّؤال، لماذا لم يوجه أجدادنا تهمة “ازدراء الأديان” إلى أبي نواس والمعري وآخرين؟ لقد كان النّاس يدرجون السخرية في المجال الديني ضمن باب التفريغ الأدبي الذي لا يهدد “المقدسات”، فهل ضاقت الدنيا أم ضاقت الصدور؟ والمخجل أنّ النص المرجعي لعقوبة ازدراء الأديان، المادة 98 من قانون العقوبات في مصر، تمّت صياغته في عهد “الرّئيس المؤمن” أنور السادات، ذلك الرّجل الذي حاول إرضاء التكفيريين فكفّروه في الأخير وقتلوه على طريقة “لنجهلنّ فوق جهل الجاهلينا”. هذا هو الدّرس الذي لم يستوعبه البعض. لعل السلطة تعمي البصيرة. يقول نص المادة “يعاقب بالحبس مدّة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمئة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو (ازدراء) أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي”. لا غرابة أن يحقق هذا النص توافق كافة الأصوليات الإسلامية والمسيحية، فضلا عن اليمين اليهودي لكي لا ننسى كامب ديفد. أخيرا، مات السادات وبقي نظام العقوبات، وبقيت معه أشياء أخرى.

بكل تأكيد، احترام أديان الناس ومعتقداتهم على اختلافها وتنوعها واجب أخلاقي على الجميع؛ فمن غير اللائق أن نتهكم على معتقدات تمثل للناس عزاء وجوديا يصعب تعويضه، مهما بدت لنا غرابتها في بعض الأحيان. هذا الكلام قد يعجبنا حين نفكر في معتقداتنا، لكنه يجب أن يعجبنا أيضا حين نفكر في معتقدات غيرنا، بصرف النظر عن غرابتها هي الأخرى؛ فالتسامح ليس طريقا في اتجاه واحد. هذه المسألة واضحة في رأينا بلا لبس. لكن ثمة خلط كبير للأوراق لابد من توضيحه؛ إن احترام الدين لا يعني بالضرورة احترام الخطاب الديني والفكر الديني والمنتوج الديني والبرامج الدينية وكل ما يقال أو يمكن أن يقال باسم الدين. هذا الأمر يجب أن يكون هو الآخر واضحاً في الأذهان بلا لبس ولا التباس.

كاتب مغربي

9