معنى الوساطة الأثيوبية من جوبا إلى الخرطوم

الاثنين 2014/02/17

لم تتدخر أديس أبابا جهدا خلال الأيام الماضية إلا وبذلته، لتحافظ على دورها النشط في حل أزمات السودان، بشقيه الجنوبي والشمالي، ولم تبخل بمساعيها الدبلوماسية ومساعداتها العسكرية لتؤكد على أهمية البلدين لها، وقد ظهرت تجليات تحركاتها في وساطتها الدؤوبة في الأزمة الناشبة بين الرئيس الجنوبي سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، وفي القضية الشائكة بين الرئيس السوداني عمر البشير والحركة الشعبية- قطاع الشمال، وفي الحالتين حققت القيادة الإثيوبية تقدما سياسيا، وجنت مجموعة من المكاسب الاستراتيجية.

أديس أبابا التقطت خيط الأزمة مبكرا بين سلفا كير ورياك مشار، وسعت، مباشرة وعبر قنوات الاتحاد الأفريقي، إلى تقريب المسافات بينهما، وكانت حريصة على إبعاد شبح الحرب الأهلية في الدولة الوليدة، لأن شراراتها يمكن أن تلامس حدودها بسهولة، لذلك سعت إلى إطفاء النيران بكل السبل، بالضغوط الدبلوماسية والمناورات السياسية، وأحيانا بالتلويح بالأدوات العسكرية، وفي النهاية تمكنت من جمع وفدي الفريقين على طاولة واحدة في أديس أبابا، وتوقيع اتفاق وقف الاعتداء، بعد نجاحها في المساهمة في الإفراج عن أصدقاء مشار الإحدى عشر المعتقلين في سجون سلفا كير، وهنا بدا دورها منسجما مع الموقف الأميركي، الذي شعر بالقلق من اتساع نطاق الصدام المسلح في جنوب السودان، وقدمت واشنطن كل أنواع الدعم السياسي لأديس أبابا لمواصلة جهودها، وربما تكون هذه المهمة أول اختبار للدور الإثيوبي المنتظر في المنطقة.

جاءت عملية الإلحاح في استئناف المفاوضات بين الخرطوم والحركة الشعبية- قطاع الشمال أخيرا، لتعزز هذا الدور، فبعد فترة انقطاع نجحت إثيوبيا في جمع وفدي الطرفين على أرضها، لتبدأ سلسلة من اللقاءات لإنهاء الأزمة في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، والتي تسببت في خسائر كبيرة لكل طرف، ولتسلط المزيد من الأضواء على الراعي الإثيوبي لأزمات السودان، فقد سبق له القيام بوساطة بين الخرطوم وجوبا، على مدار الأعوام الماضية، وفي كل مرة تخاصم الرئيسان عمر البشير وسلفا كير، كانت طاولة أديس أبابا هي التي تستقبلهما لإذابة الجليد بينهما، ولتدعيم نفوذها دفعت إثيوبيا قبل أكثر من عام بنحو أربعة آلاف جندي إلى منطقة أبيي، كمساهمة مادية لحفظ السلام في هذه المنطقة الحيوية، المتنازع عليها بين الشمال والجنوب، الأمر الذي مكنها من حضورها دائما في جميع أزمات السودان. الواقع أن أثيوبيا تنتظر منذ فترة تثبيت مكانتها الإقليمية، وتحاول استغلال الفراغ الحاصل في المنطقة، وعدم وجود قوى مناوئة لها، تستطيع أن تنافسها على الدور والمكانة، وحتى إريتريا العدو المباشر لها، انكفأت على همومها الداخلية ولم تعد لديها رفاهية مناطحة أثيوبيا، وأكثر ما يمكن أن تقوم به، هو دعم الحركات المناهضة لها، في الصومال وإثيوبيا نفسها، وحاولت أديس أبابا الاستفادة من الصومال المستباح لتأكيد نفوذها، غير أنها منيت بهزائم منكرة خلال العقد الماضي، واستفادت من تجربتها المريرة في هذا البلد، وتخلت عن الأدوات الخشنة ولجأت إلى الدبلوماسية الناعمة، وحققت بموجبها نجاحات ملموسة في السودان، بشقيه الشمالي والجنوبي، ودشنت دورها في شرق أفريقيا، باستحواذها على ملف الأزمات في السودان، وفي ظل انكفاء دول مثل كينيا وأوغندا على مشاكلهما، ودخولهما كأطراف مباشرة في أزمات الصومال وجنوب السودان بدت أديس أبابا الأكثر تأهيلا لتصاعد دورها الإقليمي.

الوساطة والدور والمكانة والنفوذ، لم تكن مفردات مرغوبة في حد ذاتها، لكنها مطلوبة، لأنها تحقق هدفا أميركيا، يتعلق بتزايد الاعتماد على حلفاء إقليميين للحفاظ على مصالح واشنطن في منطقة حافلة بالصراعات، لا تستطيع الولايات المتحدة التدخل فيها بصورة مباشرة، ليس لتجربتها الفاشلة في الصومال، لكن لأن تطوير السياسات وتقليل الخسائر يستلزم تنفيذ مهام بالوكالة، كما أن الصعود الجديد منح إثيوبيا مزايا تفضيلية، انعكست عليها إيجابا في بعض المواقف السياسية، ولعل أشدها وضوحا موقف جنوب السودان الداعم لمشروع سد النهضة الأثيوبي، والتحول الدراماتيكي في موقف الخرطوم من السد، والذي أصبح مؤيدا لحكومة أديس أبابا على حساب الحكومة المصرية.

الطريقة التي تدير بها أثيوبيا علاقاتها الإقليمية، تسترعي الانتباه إلى رغبتها في أن تكون ضابط إيقاع الأزمات في شرق أفريقيا، ومعدلات النمو الاقتصادي المرتفع الذي تحققه، يمكن أن يجعل منها نمرا أفريقيا قادما، وقدرتها على نسج شبكات قوية من العلاقات مع قوى دولية، تفرض عدم التهوين من المخاطر التي يحملها تضخم دورها، وبالتالي من المتوقع خلال السنوات المقبلة أن تفرض أثيوبيا كلمتها على المنطقة، أو يتم استدراجها إلى صراعات محلية تفرض عليها عنوة الانكفاء نحو الداخل.


كاتب مصري

9