معنى زيارة مسعود البارزاني لبغداد

الثلاثاء 2016/10/04

بمناسبة زيارة مسعود البارزاني لبغداد يسأل كثيرون عمن منهما احتاج إلى من، ومن استقوى منهما بمن، حيدر العبادي بمسعود على نوري المالكي، أم على مقتدى الصدر أم على الحشد الشعبي وهادي العامري، أم مسعود على حلفائه المشاكسين قادة الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير الذين أفقدوه متعة الحكم الفردي العائلي، وأوشكوا أن يسقطوا من يده ورقة التهديد بالانفصال؟ ويقال إن البارزاني والعبادي، وبمباركة عمار الحكيم، اتفقا على سداد رواتب الموظفين في كردستان وتنسيق المواقف بشأن الموصل، وربما إعادة الاعتبار لخاله هوشيار زيباري.

مع أن أحدا لا يستطيع أن يتفاءل بمستقبل الاتفاقات “الموفقة والجيدة” كما نعَتها المُتفقان، والتي قد لا يختلف مصيرها عن مصير الاتفاقات السابقة التي عقدها البارزاني، نفسُه، سواء العلني منها والسري، مع أحزاب الدين السياسي الشيعي الإيراني، وآخرُها اتفاقه السري مع نوري المالكي في أربيل 2010، متفضلا عليه بدورة رئاسية ثانية تسلط خلالها على الشعب العراقي وعلى كردستان، أربع سنوات بسرقاتها ومظالمها وخساراتها التي كسرت ظهر الدولة العراقية لعشرات قادمة من السنين، وقلب فيها المجن حتى على الحليف الذي أحسن إليه.

المعلوم أن أحزاب إيران العراقية وأحزاب الجبهة الكردستانية تحالفت وتقاسمت المعارضة العراقية السابقة، ليس من أول أيام الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، بل من أيام الحرب العراقية الإيرانية التي قاتل فيها “المتحالفون” جميعُهم، كتفا بكتف، مع الجيش الإيراني، وتعاونوا على قتل الجنود العراقيين الذين كانوا يدافعون عن وطن لا يريدون له أن يصبح مستعمرة فارسية، لا عن نظام صدام حسين، ولا عن أي شيء آخر.

بعبارة أخرى، إن حزب الدعوة ومجلس الحكيم، والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بشكل خاص، كانت الأطراف الأربعة الأقوى المنسجمة المحتكرة للعمل السياسي العراقي المعارض، خصوصا في أمور المال والقيادة والسلاح وعمليات التهريب وتفجير الأزمات في الشارع العراقي، وبيع المعلومات الحساسة العراقية لإيران وأميركا ومخابرات حافظ الأسد.

ومع ذلك ظل المتحالفون، من الثمانينات، يخدع بعضهم بعضا، ويخون بعضهم بعضا، ويسرق بعضهم بعضا، ويشي بعضهم ببعض، هذا لدى إيران، وذاك لدى أميركا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل. حتى لم يمر أسبوع واحد دون فضائح وشتائم ومناطحات ومناوشات ومشاكسات، تحت الطاولة وفوقها، بين المأمورين بالتحالف على مضض.

ومعروف أن اللاعب الحاسم في كردستان، من أيام منطقة حظر الطيران فوق كردستان هو الممسكُ بالملف العراقي في واشنطن، في الإدارتين الديمقراطية والجمهورية، وحده لا شريك له. وهو من ثماني سنوات جوزيف بايدن نائبُ أوباما. أما اللاعبون الأقوى في بغداد فهم قاسم سليماني وهادي العامري ونوري المالكي، وما عداهم مجردُ مخلوقات “فضائية” لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم إلا بأوامر الباب العالي.

ومعلوم أيضا أن زيارة مسعود لبغداد، بعد قطيعة سنوات، تمَّت امتثالا “لنصيحة” جو بايدن، من جهة، وبترحيب معلَن وغير مخفي من سفارة الولي الفقيه في بغداد.

وحين نغوص أكثر في أعماق الغاية التي أرادتها أميركا وإيران من وراء هذه اللقاءات والاتفاقات والتصريحات ومآدب الغداء والعشاء نجد أن الحاجة هي أم الاختراع.

أميركا، ومعها إسرائيل، لا تريد للوضع الداخلي الكردستاني أن يتردى أكثر، فتفشل مهمة تحويل “دولة كردستان العراق” إلى حاملة مخابرات أميركية وإسرائيلية في المنطقة. كما لا تريد أن تتباطأ عملية تقطيع أذرع الأخطبوط الإيراني في العراق. وإيران تعرف ذلك، ولكنها لا تريد مناطحة أميركا في مرحلة ما قبل نهاية داعش، على الأقل. وهذا ما تطلّب، أميركيا، تبريد جبهة العراك السياسي والمالي والأمني والإعلامي مع بغداد، وانتظار ما بعد تحرير الموصل.

يؤكد مصدر مطلع من داخل المنطقة الخضراء أن بايدن وعد البارزاني بتأسيس إقليم نينوى السني، برئاسة أسامة النجيفي، وبأن يتحالف مع مسعود، شخصيا وحصريا، في مواجهة الاتحاد الوطني وحركة التغيير السابحة في مياه الولي الفقيه والتي تشاكس أميركا وإسرائيل في أربيل من حين إلى آخر.

بالمقابل، يقول المصدر إن إيران غسلت يدها من المالكي، وتعبت من حروبه الخاسرة داخل الائتلاف (الوطني)، وداخل حزبه ذاته، ومع خليفته حيدر العبادي المرضي عنه أميركيا، والقادر الوحيد على استدراج المزيد من قوات أميركا وخبرائها لدعم حكومته، على الأقل في مواجهة منافسيه الكثار. خصوصا وأنه أحد وكلائها الذي لا تشك بولائه، مهما اقترب من أميركا، ومهما قيل عنه غير ذلك. وبهذا يصبح أيُ دعم له من أميركا المحتاجة إليه، دعما يصبُ في خدمة الحكم الذي تريد الحفاظ عليه في بغداد، والمهدد بالتشظي بفعل مناطحات المالكي مع إخوته داخل المعسكر الإيراني العراقي. وهذا ما يفسر عودة مقتدى الصدر إلى الائتلاف (الوطني) بعد أن طمأنته إيران على لجم المالكي وقصقصة أذرعه، ذراعا ذراعا وبنفـس طويل.

وما يؤكد صحة معلومات المصدر المطلع أن نوري المالكي فهم الرسالة الإيرانية الأميركية، فاستشاط غضبا وازداد عنادا وعدوانية، بعد أن أدرك أن مجده في أفول، وأن الدورة الثالثة قد أسقطتها، دون رجعة، زيارة عدوه اللدود مسعود البارزاني، وبرضا خفي من سفارة الولي الفقيه، وفهم بوضوح أن الدعم الأميركي والإيراني الكردستاني الجديد للعبادي يعني أنه لن يسقط قريبا ليأخذ مكانه، كما كان يتمنى وينتظر.

ويبدو أنه هو الذي أوعز لـ(ابن أخيه) النائب عن ائتلاف دولة القانون عبدالسلام المالكي لكي يدعو الادعاء العام إلى تحريك دعوى قضائية، وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحق البارزاني أثناء زيارته لبغداد. فليس من المسموح لأحد أتباعه، ولابن أخيه خصوصا، أن يتحدث في أمور سياسية حساسة لا بد أن تُحسب عليه. فقد أعلن ابن الأخ في بيان له مؤخرا أن “البارزاني متهم بخرق الكثير من القوانين العراقية النافذة، ومنها التخابر مع الأجنبي، خاصة الكيان الصهيوني المحظور دستوريا، إضافة إلى تهريب الثروات النفطية دون معرفة مصير أموال الواردات، وسرقة موازنات الإقليم، وعدم تقديم أي حسابات ختامية حول المبالغ التي تسلمها ضمن الموازنات السابقة”.

وتابع إن “البارزاني تعامل مع تنظيم داعش الإرهابي، وكانت هناك هدنة بينهما لعدة أشهر بعد اجتياحه لمناطق من العراق، ناهيك عن احتلاله لمناطق تابعة للحكومة الاتحادية، والاستيلاء على الأسلحة العسكرية التابعة للجيش العراقي بعد انهيار الموصل، إضافة إلى إيوائه العديد من البعثيين والمطلوبين للقضاء العراقي بتهم إرهابية”.

وأكد المالكي أن “البارزاني مطلوب للقضاء العراقي ضمن القوانين النافذة، وأي تهاون من قبل الادعاء العام والأجهزة الأمنية في قضية إلقاء القبض عليه يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الجنائية العراقية”، وحمَّل رئيس الوزراء حيدر العبادي والقضاء العراقي “مسؤولية عدم تطبيق القانون على جميع العراقيين بشكل عادل”.

فمن يعتقد بأن ابن أخي نوري المالكي ينطق عن الهوى واهم، ومن يشك في صحة كلام المصدر المطلع في المنطقة الخضراء، وفي دقته، واهم أيضا، ولو كره الكارهون.

كاتب عراقي

8