معهد ثقافات الإسلام في باريس يواصل احتفاءه بالفنون الإنسانية

معهد ثقافات الإسلام في باريس يشكل مصدر معرفة وفهم واحترام متبادل، وتعايش بين الدين والفن بإسلام ثقافي يُحارب ويواجه التشدّد والتطرف الذي يُمثلهُ "الإسلام" السياسي.
الاثنين 2018/07/16
معرض "بغداد حبيبتي"

باريس - يُعتبر الإسلام ثاني ديانة في فرنسا التي يعيش فيها أكثر من 6 ملايين فرنسي مسلم، يشكلون أكبر جالية مسلمة في دول الاتحاد الأوروبي، ما جعل الثقافتين العربية والإسلامية جزءا محوريا في الحياة اليومية في فرنسا عموما، وباريس خاصة.

وفي باريس تأسس معهد ثقافات الإسلام عام 2006، وهو مؤسسة ثقافية فرنسية، تسعى للحوار والتعريف بالثقافات ذات الصلة بالحضارة الإسلامية، لبناء جسر ثقافي متين بين مختلف الديانات، ويشكل مصدر معرفة وفهم واحترام متبادل، وتعايش بين الدين والفن بإسلام ثقافي يُحارب ويواجه التشدّد والتطرف الذي يُمثلهُ “الإسلام” السياسي.

وفي نوفمبر 2013 افتتح المبنى الثاني للمعهد على مساحة 1400 متر مربع، وهو مُخصّص لتنظيم الندوات والمعارض الفنية والفعاليات الثقافية والموسيقية والاجتماعية، والدينية فضلا عن تعليم اللغة العربية.

ويُولي المعهد اهتماما خاصا للفن المعاصر بما في ذلك فنون الأداء، والأدب، والرسم، والتصوير الفوتوغرافي، إضافة إلى تنظيم ورشات عمل وعروض مسرحية وسينمائية، ورحلات للأطفال والعائلات والمدارس.

ويقع المعهد في منطقة شعبية تضم أحياء، كوت دور، وبرباس، ذات الغالبية العربية والمسلمة في الدائرة 18، بباريس.

ولكن المشروع لا يزال رغم ذلك حتى اليوم، يلقى بعض الرفض من جانب بعض من الفرنسيين، وحتى من بعض السكان المُسلمين وذلك رغم أن المعهد لا يبتعد في تأسيسه، وتمويله عن علمانية الدولة الفرنسية، والتقيد الصارم بقانون 1905 الذي يفصل بين الدين والسياسة، ويمنع تمويل الدولة للمشاريع الدينية.

وتؤكد بلدية باريس أنها لم تهدِ المعهد لإحدى الجمعيات الدينية التابعة لمسجد باريس الكبير، بل باعته لها مُقابل 2.2 مليون يورو.

ويوضح القائمون على المعهد أن العلمانية ليست ضد الدين، بل ضد سيطرة أي دين على المُجتمع والدولة، وهي مع تعدد الأديان، وتنوّع المُعتقدات وتفاعل الثقافات.

معهد ثقافات الإسلام مؤسسة ثقافية تقاوم التعصب بالفن، وتقدم صورة أخرى للثقافة الإسلامية بمختلف تجلياتها

وبينما وجد الكثيرون في المعهد فرصة لتعريف الفرنسيين بالإسلام الحقيقي المُتسامح مع الآخر، ومُحاربة الإسلاموفوبيا، وتعزيز الاندماج في المُجتمع الفرنسي من خلال الإسلام الثقافي، رأى آخرون أن لا فائدة من هكذا مشاريع لا يفهمها جميع المُقيمين في باريس، مُطالبين بالاستثمار في الحفاظ على التراث الثقافي المادي للعاصمة الفرنسية، والتي تحتاج بعض مبانيها التراثية إلى صيانة عاجلة. وفي مُجمل الأحوال فهو حوار صحي تخفّ حدّته مع مرور الوقت، واكتساب المزيد من الزوار للفعاليات الغنية التي يُنظمها معهد ثقافات الإسلام.

وكان دانيال فايون، عمدة الدائرة الـ18 قال في خطاب افتتاح المعهد “عرفنا إسلام الأقبية والأماكن الخفية وإسلام الشوارع، واليوم نحن فخورون جدا بهذا المشروع الجديد”، وذلك رغم استنكار الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرفة حينها.

يُذكر أنّ صاحب فكرة إنشاء معهد ثقافات الإسلام هو بيرتران دولانويه، رئيس بلدية باريس سابقا، المولود في بنزرت التونسية، وعشق ثقافة أهلها، فتولّد بحثه في باريس عن فضاء تتفاعل فيه الثقافات الإسلامية المُتعدّدة مع الفرنسية، ليكون ملتقى للجميع، ليس للمُسلمين فقط، بل للجميع، ليتقربوا من الثقافات الإسلامية ويتفاعلوا معها.

من الفعاليات التي يقدمها المعهد معرض “بغداد حبيبتي”، الذي  ما زال متواصلا في مقر معهد ثقافات الإسلام حتى 29 يوليو الجاري، بمشاركة فنانين عراقيين وأوروبيين، منهم جواد سليم، ولورنا سليم، وضياء العزاوي، وآخرون ممن يُمثلون الحداثة والفن العراقي المعاصر.

ويتمحور المعرض حول السرقات الفنية والأثرية في 2003 عقب الاجتياح الأميركي للعراق، ومبادرة بعض الفنانين لإحياء تلك الأعمال بنماذج منحوتة وصور تُحاكي الأصل لإعادة بناء بعض دمّرته الحرب في التراث الثقافي للعراق، وهو ما يُفسّر اسم المعرض المُستوحى من فيلم، هيروشيما حبيبتي، الذي يعرض للإنتاج الفني، بعد الكارثة وأهمية التخطيط والبناء للمستقبل.

وشاركت، كولين هوسّيه، أستاذة التاريخ الثقافي العربي في أوروبا بمعهد العلوم السياسية، في باريس، ومديرة وكالة فنية معروفة في باريس ولندن، بعرض موسيقي شيق كتبته وقرأته على المسرح عن العصر الذهبي للموسيقى العربية في بغداد، وعن حفلاتها الصاخبة في الماضي القريب، وعرضت بأسلوب ممتع للجمهور قصة الزوجين الفنانين العراقيين الراحلين ناظم الغزالي وسليمة مراد، عندليبَي بغداد، في دعوة لإعادة إحياء الزمن الجميل.

14