معوقات السينما المغربية تتواصل بين منع وحجب في 2015

عرف المغرب تطورا سينمائيا مهما على مستوى ارتفاع وتيرة الإنتاج وسَنِّ القوانين وانتظام التظاهرات السينمائية؛ إذ يعتبر الأول على المستوى المحلي والإقليمي، فالدولة تدعم مشاريع الأفلام وانعقاد المهرجانات وإحداث وتجديد ورقمنة القاعات السينمائية، وهو ينتج ما يزيد عن عشرين فيلما روائيا طويلا وما يربو عن ضعفها من الأفلام القصيرة، كما أنه ينظم ما يتجاوز أربعين تظاهرة سينمائية يتراوح تصنيفها بين المهرجان والملتقى.
الثلاثاء 2015/12/29
الشتائم تنهال على نبيل عيوش ولبنى أبيضار بسبب فيلم "الزين اللي فيك"

يعرف القطاع السينمائي المغربي إجمالا حركية نقدية نوعية على مستوى إصدار الكتب النقدية والمقالات الأكاديمية المكتوبة بالعربية والفرنسية، فضلا عن كونه يحتضن سنويا تصوير العشرات من الأفلام الأجنبية بمختلف المناطق المغربية، وهو يتضمن نسيجا جمعويا ومهنيا منظما يساهم عبر الضغط الإيجابي في تطوير التجربة المغربية.

عرف عام 2015 تغييرا على مستوى إدارة المركز السينمائي المغربي، وهو الأمر الذي جعل المعنيين بالقطاع والمهتمين ينتظرون من مديره الحالي كشف الخطوط العامة لسياسته، وذلك بعد سلسلة من لقاءاته مع الغرف والجمعيات والنقابات المهنية خاصة وأن الكثير من المهنيين يطرحون سؤال تبعية المركز الكلية لوزارة الاتصال المغربية، فضلا عن عدم تصريحه بإستراتيجيته للرقي بالسينما وإخراجها من المشاكل التي تتخبط فيها.

المركز السينمائي المغربي يتوفر على خزانة سينمائية لم يشغلها المدير السابق، وهي تنتظر بلورة خطة عملية لهيكلتها وتشغيلها، كما أن المهنيين يصرحون بوجود بعض التعقيدات التي تخص الحصول على رخص التصوير، وتأخر صرف منح الدعم، فضلا عن مشكلة إغلاق القاعات السينمائية وتمركزها بمحور طنجة مراكش.

مفارقات مغربية

بما أن السينما فن جماهيري لا تكتمل متعته دون قاعات سينمائية، فإن المغاربة لا يستطيعون مشاهدة كل أو جل الأفلام السينمائية التي تدعمها الدولة، والسبب يعود إلى إغلاق قاعات السينما، وغياب خطة بديلة لسد الفراغ رغم أن المغرب يتوفر على شبكة كبيرة من دور الشباب والثقافة بالمدن الكبرى والصغرى، رغم افتقار مرافقها إلى فضاءات تتوفر على التجهيزات التي تضمن عرض الأفلام ولو في سياق ثقافي.

وهنا تكمن المفارقة: فكيف يعقل أن ينفق المال على أفلام لا تروج إلاّ في بعض المهرجانات وفي بعض المدن ولا تدخل ضمن دائرة العرض الثقافي؟ ألا يمكن أن تكون هذه الفضاءات العمومية مجالا حيويا يعوض القاعات السينمائية، ويساهم في جلب بعض المداخيل الرمزية من وراء عروض الأفلام على أوسع نطاق؟

2015 شهد منع الدولة بشكل مباشر، ودون المرور عبر الأطر المتعارف عليها، لفيلم "الزين اللي فيك" للمخرج نبيل عيوش

شهدت 2015 أيضا منع الدولة بشكل مباشر، ودون المرور عبر الأطر المتعارف عليها، لفيلم “الزين اللي فيك” للمخرج نبيل عيوش، مما خلف سلسلة من النقاشات والإجراءات التي لم تنته إلى اليوم، وأهمها الشتائم التي تلقاها المخرج والممثلون بشكل مباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك كتابات بعض رجال الدين والآراء التكفيرية التي راجت حول الفيلم، فضلا عن الدعوى القضائية التي طالت المخرجة وبطلة الشريط التي تورطت مؤخرا بسبب قلة خبرتها في بعض التصريحات غير المحسوبة، ممّا أعطى الفرصة لأعداء الفن بتعزيز مواقفهم التي لا تنفصل عمّا هو سياسوي خالص.

إن الدرس الذي يستفاد من جرّاء هذه الحادثة هو قدرة الفن عموما، والسينما خصوصا، على إثارة النقاش حول بعض القضايا الحساسة في المجتمع، وامتلاكها الوسائل التعبيرية والترويجية لإيصال خطاباتها إلى أكبر عدد ممكن من الناس في زمن التكنولوجيا الحالي، فقد شاهد عدد كبير من الناس النسخة المسربة من الفيلم عبر الإنترنت.

الإصدارات السينمائية

استطاع النقد السينمائي المغربي أن يلفت الانتباه إلى ديناميكيته وجديته، فقد صار يظهر في السنوات الأخيرة ما لا يقل عن عشرة كتب فردية وجماعية تهتم بقضايا السينما عموما، وأن يهتم بعض الأكاديميين بتأطير بحوث أكاديمية تعنى بقضايا السينما المغربية.

وظلت الجمعية المغربية لنقاد السينما تصدر بشكل فصلي “المجلة المغربية للبحث السينمائي”، وتصدر جمعية أصدقاء السينما بتطوان مجلة “وشمة” بشكل سنوي، ويكتب فيهما نقاد من المغرب والعالم العربي وبعض النقاد الأجانب الذين يكتبون باللغتين الفرنسية والأسبانية، إلاّ أن الوضع الاعتباري للناقد السينمائي في حاجة إلى المزيد من الجهد قصد تحقيق استقلاليته التامة عن الجهات الداعمة لمشاريعه، لا سيما وأن بعض الجهات تتعامل معه بشكل براغماتي.

النقد السينمائي المغربي أظهر في السنوات الأخيرة العشرات من الكتب الفردية والجماعية المهتمة بالقضايا السينمائية

تصدرت الأفلام المغربية قائمة المداخيل، رغم بساطتها، خلال الثلاثية الثالثة من سنة 2015، إذ احتل فيلم “الفروج” لصاحبه عبدالله توگونة المرتبة الأولى على مستوى الأفلام المغربية والأجنبية بما مجموعه 96777 متفرجا، وتلاه فيلم “الحَمَّالة” لصاحبه سعيد الناصري بــ93969 متفرجا، وتبعهما الجزء الخامس من فيلم “المهمة المستحيلة: الدولة المارقة” للمخرج الأميركي كريستوفر ماك كاري بما عدده 82682 متفرجا، وقد وصل مجموع المتفرجين خلال هذه الدورة 857428 متفرجا.

وتظهر هذه الأرقام أن الجمهور العام يُقبل على الفيلم المغربي “الكوميدي” رغم تفاهته في بعض الأحيان، ويعكس ضعف ذهاب المغاربة إلى السينما وانحسار المداخيل، فهل يعود ذلك إلى انحصار قاعات العرض ببعض المدن الكبرى أو مقاطعة الجمهور لنوعية الأفلام الرائجة؟

تنقضي السنة السينمائية المغربية ونحن على وشك استقبال الدورة السابعة عشرة من المهرجان الوطني للفيلم (فبراير القادم) الذي أصبح ينعقد بشكل منتظم كل سنة، بل وقد خضعت الأفلام الروائية الطويلة لفرز أولي قبل المشاركة فيه مما جاء تلبية لأصوات النقاد والمهتمين للتقليص من حجم الأفلام الرديئة التي تعرض في المسابقة الرسمية.

ومع ذلك فإن الحقيقة الساطعة تؤكد أن السينما المغربية لا تزال تعاني من أزمة إبداعية حقيقية تتجلى في ضعف السيناريو، وظهور قناصي الدعم، وعدم انسجام أعضاء لجنة الدعم، فهل يعقل أن ندعم فيلما يتحدث عن أوروبا (حالة فيلم “المتمردة” مثلا)، وتصرف كل ميزانيته بالخارج؟ أليس الهدف من الدعم الحدّ من هشاشة القطاع والحدّ من بطالة التقنيين والممثلين المغاربة؟

حينما نقول إن المغرب بلد السينما، فليس في الأمر أية مزايدة لأنه استقبلها واحتضنها مبكرا حينما قَدِمَ إليه الأخوان لوميير لتجريب مُخْتَرَعِهِمَا العجيب، واستطاع بعض المخرجين العالميين أن يصوروا في المغرب وأن يستقبلهم المغرب وقت الشدة مثل الممثل والمخرج المبدع أورسون ويلز الذي صور فيلمه “عطيل” (1952) في مدينة الصويرة، وعرض في مهرجان “كان” باسم المغرب فنال عنه السعفة الذهبية، كما أن مخرجين مغاربة أبدعوا وعبروا بواسطة الكاميرا عن الثقافة المغربية في كل تجلياتها.

17