معين المرعبي نائب إنمائي ووزير مشاكس يكسر الأعراف

"الحاج" لا يتوقف عن التحذير مما يسميه “فرسنة” العالم العربي، مناشدا الدول العربية العمل يدا بيد لمواجهة المشاريع المشبوهة التي تُمعن في تفتيت المنطقة لصالح أجندات ومحاور مدمرة.
الخميس 2018/08/30
المرعبي: نتمسك بحقوقنا وليهدّدنا الرئيس عون حتى مئة سنة مقبلة

قصور ومنازل النواب والوزراء في لبنان هي في العادة أقرب ما تكون إلى مكاتب توظيف وخدمات خاصة، ولا سيما في عطلة نهاية الأسبوع، إذ ينشغل قسم كبير من نواب الأمة ووزرائها، باستقبال طالبي الوظائف الذي يقفون في طابور، وفي حضور الأفراح والأتراح والمناسبات الاجتماعية، متناسين القيام بواجباتهم الأساسية من تشريع للقوانين، وإطلاق مشاريع تنموية تعود بالنفع على المواطنين.

عادة ألفها اللبنانيون وكسرها النائب السابق عن محافظة عكار ووزير الدولة لشؤون النازحين في حكومة تصريف الأعمال معين المرعبي. فـ”الحاج معين”، كما يسمونه، أبوابه مُشرّعة فقط أمام من يأتيه طالباً خدمة عامة تعود بالنفع على أبناء محافظة عكار بالكامل، والويل والثبور وعظائم الأمور، إن تجرّأ أقرب المقرّبين منه على طلب أي خدمة خاصة.

عكار والصراع مع باسيل

 “الحاج” الذي يرفض مناداته “معاليك” أو “سعادتك” يطيب له قضاء عطلة نهاية الأسبوع في منزله المعروف بـ“السرايا” في بلدة البرج العكارية. فلا حراسة ولا أمن ولا موكب متضخّم، إذ يتناوب على مرافقته شخصان فقط، وعندما تنصحه بتوخي الحذر، يضحك ويجيب “الله الحامي”.

هاجسه عكار وولعه الخرائط والمقترحات لمشاريع تنموية لمحافظته التي يعتبر أنّها تعرّضت لإجحاف مُمنهج مارسته الحكومات المتعاقبة في حق أبناء هذه المنطقة التي تشكّل الخزان البشري للمؤسسة العسكرية.

في إحدى الزيارات التي قام بها وفد من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية إلى محافظتي البقاع وعكار لتقييم حاجات النازحين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة، فوجئ الوفد السعودي بأنّ المرعبي يعرف كل شاردة وواردة في منطقته، وقد وضع مُخططا مُفصّلا للمشاريع التنموية التي تحتاجها عكار وحتى عرسال البقاعية وخرائط ودراسات مفصّلة عن كلفتها والوقت الذي يتطلّب تنفيذها.

ومنذ انتخابه نائبا في العام 2009 وحتى الأمس القريب، قام “الحاج معين” بتشكيل اللقاء التنموي في عكار، ووضع مخططا توجيهيا عاما لكل عكار بدعم ومساعدة وتوجيه من الرئيس سعد الحريري، فكان المؤتمر الزراعي الأول في عكار عام 2010، ومؤتمر إنماء عكار في العام 2011، وإقرار مشروع أوتوستراد الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي يصل بين طرابلس والحدود السورية، وإطلاق عملية استملاك الجزء الأوسط منه “المحمّرة-الكويخات”، وتلزيم الأعمال في القسم المذكور، من دون التخلّي عن حلم إنشاء جامعة لبنانية في عكار، وقد صدر مرسوم بإنشائها “خمس كليات”، وتأهيل وتشغيل مطار رينيه معوّض.

وقد خصص المرعبي ورشة عمل عقدت حول تنمية محافظة عكار بالتعاون بين مجلس النواب وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في يوليو 2017. وقال في حينها إن “عكار تشمل 10 في المئة من مساحة لبنان، وتعاني من أعلى معدلات الفقر وليس هناك طرقات ولا صرف صحي ولا كهرباء ولا وجود لجامعة وطنية ولا مدارس كافية فيها، ولا يوجد في عكار سوى مستشفى حكومي واحد”، داعيا إلى “مخطط تنموي شامل لبناء البنى التحتية المنعدمة أساسا”.

تصدّى المرعبي لوزير الخارجية جبران باسيل الذي اتهمه صراحة بإفشال إقرار سياسة عامة لملف النزوح السوري، وافتعال أزمة مع مفوضية شؤون اللاجئين، ولم يوفر حزب الله من سهامه ودعاهم إلى الخروج من سوريا، باعتبار أنّهم عامل أساسي في الأزمة السورية وفي تهجير السوريين إلى لبنان، وأنّ حرصهم على عودة النازحين إلى بلادهم وهمي وفولكلوري.

وحذّر المرعبي مرارا وتكرارا من “فرسنة” العالم العربي، وناشد الدول العربية العمل اليد في اليد لمواجهة المشاريع المشبوهة التي تمعن في تفتيت المنطقة لصالح أجندات ومحاور مدمرة، ووصلت صواريخه الباليستية اللفظية مرمى إيران والحرس الثوري وأتباعه من “حزب الله” في لبنان و“الحشد الشعبي” في العراق و“الحوثيين” في اليمن.

معارك مع قائد الجيش

 المرعبي يقول في تصريحات خاصة لـ”العرب” إنّ تلويح عون بمواقف سيتخذها اعتبارا من الأول من سبتمبر في ملف تشكيل الحكومة العتيدة "لا يغني ولا يفيد"
المرعبي يقول في تصريحات خاصة لـ”العرب” إنّ تلويح عون بمواقف سيتخذها اعتبارا من الأول من سبتمبر في ملف تشكيل الحكومة العتيدة "لا يغني ولا يفيد"

ويبقى المرعبي من أشد المدافعين عن فلسطين المحتلّة التي لها مكانة مقدسة في قلبه، منذ كان على مقاعد الجامعة الأميركية في بيروت، فهو “العربي” حتى النخاع، وهو ما استذكره خلال جولته على جنوب لبنان العام الماضي عندما وقف ليطلب أن تلتقط له صورة وخلفه فلسطين، وفي جولته على مخيم نهر البارد في صيف هذا العام، حين استمع إلى مطالب وأحلام الشباب الفلسطيني الذي ولد في مخيمات اللجوء في لبنان.

وعلى رغم كونه عضوا في كتلة المستقبل، إلا أنّ ذلك لم يمنعه من الاختلاف في الرأي السياسي مع الحريري، ولكن من دون التفريط بالثوابت الوطنية والتزامه بخيارات كتلته. فالحاج سبق وحذّر من تداعيات المُضيّ بخيار انتخاب النائب السابق سليمان فرنجية والرئيس الحالي ميشال عون، والأزمة السياسية الحالية التي يشهدها لبنان في نظره هي نتيجة طبيعية لإيصال الرئيس الحريري الرئيس عون إلى سدّة الرئاسة.

خاض المرعبي معارك شرسة مع قائد الجيش السابق جان قهوجي منذ يونيو 2011، حين طالب بانتشار الجيش على الحدود مع سوريا على غرار ما يجري في الجنوب، وتطبيق القرار 1701 كاملا، ونجح في توفير الأمن لأهالي المناطق الحدودية في الشمال من قصف النظام السوري، بعد بناء بريطانيا لأبراج مراقبة على الحدود مع سوريا.

تماهيه مع قضايا الناس ووجعهم أجبره في 22 يناير 2018 على كسر باب محطة الكهرباء في حلبا، وفتح الشركة أمام المواطنين من أجل تمكين شركة الصيانة من إصلاح الأعطال لإعادة التيار الكهربائي إلى القرى التي كانت تعاني من انقطاعه على مدار أيام عدة، نتيجة إضراب موظفي مؤسسة كهرباء لبنان.

عناد “الحاج” وشراسته يقابلهما جرأة في الاعتذار عندما يخطئ. وقد سارع الحاج إلى الاعتذار من إحدى الزميلات الصحافيات في أكتوبر الماضي عندما فُهم حديثه على أنّه إهانة للمرأة، في معرض رفضه التجني والتحامل في موضوع الأزمة التي ولّدتها استقالة الحريري.

حرب التنمية وأزمة تشكيل الحكومة

تماهيه مع قضايا الناس ووجعهم أجبره على كسر باب محطة الكهرباء في حلبا، وفتح الشركة أمام المواطنين من أجل تمكين شركة الصيانة من إصلاح الأعطال لإعادة التيار الكهربائي إلى القرى التي كانت تعاني من انقطاعه
تماهيه مع قضايا الناس ووجعهم أجبره على كسر باب محطة الكهرباء في حلبا، وفتح الشركة أمام المواطنين من أجل تمكين شركة الصيانة من إصلاح الأعطال لإعادة التيار الكهربائي إلى القرى التي كانت تعاني من انقطاعه

جولاته الميدانية التي يرافقه فيها كبار المسؤولين في منظمة الأمم المتحدة، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين و”اليونسيف”، ووفود عربية وأجنبية وهيئات دبلوماسية إلى محافظات البقاع والجنوب والشمال وعكار تخلق المناخ الملائم للاستماع إلى حاجات الناس ومطالبهم. فقد بذل جهداً حثيثاً لإنشاء شبكة مياه وشبكة صرف صحي لعرسال التي تحمّلت الأمرّين سواء بمحاصرتها من تنظيم “داعش” الإرهابي، أو استضافتها لعدد كبير من النازحين فاق عدد سكانها، من دون أن تتكلل مساعيه بالنجاح لاعتبارات سياسية ضيّقة وللشحّ في مساعدات المانحين.

ولم يفوت “الحاج” معين مناسبة إلاّ وحثّ المانحين والسفراء المعتمدين في لبنان بالتركيز على الاستثمار في البنى التحتية في المناطق النائية التي تعاني التهميش وغياب الإنماء، بهدف حماية استقرار المجتمعات المضيفة للنازحين وتجنّب انفجار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. صولاته وجولاته ولا سيما داخل لجنتي الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه في مجلسي النواب والوزراء أبلغ دليل على ذلك.

وبخلاف قسم كبير من السياسيين الذين تحُوم حولهم شبهات فساد، واستغلالهم للمال العام في خدمة مصالحهم الشخصية وحاشيتهم، يُعرف عن المرعبي بأنّه يصرف من جيبه، ولم يتورّط في أي صفقة رغم إمساكه بأكثر الملفات التي على تماس مع مساعدات المانحين للنازحين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة. وهو كان من أوائل الذين استقبلوا النازحين منذ بدء الأزمة السورية عام 2011، وحرص بنفسه على توفير المساعدات الغذائية والطبية لهم.

في تصريحات خاصة لصحيفة “العرب” رأى المرعبي أنّ تلويح رئيس الجمهورية بمواقف سيتخذها اعتبارا من الأول من سبتمبر في ملف تشكيل الحكومة العتيدة “لا يغني ولا يفيد، وليستمر الرئيس عون بالتهديد إلى مئة سنة مقبلة، فهذا لن يغّير في واقع الأمر شيئاً، وهو ينافي ما ورد في الدستور اللبناني لجهة صلاحيات رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، وما ارتضيناها لتحقيق المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في اتفاق الطائف”.

فالمشكلة الأساس تكمُن في “قانون المسخ الانتخابي” الأخير كما يسميه، الذي أخطأت قوى 14 آذار بالقبول به وخوض انتخابات 2018 البرلمانية على أساسه، والذي لم يحقق عدالة التمثيل بين اللبنانيين، وضرب معادلة الشراكة بين المسيحيين والمسلمين، وعزّز النزعة التطرفية لبعض القوى التي لا تؤمن بمبدأ الشراكة.

ويذكر المرعبي بأنّه في انتخابات العام 2009 عندما انتصرت قوى 14 آذار لم يشكّل الرئيس الحريري حكومة غالبية، بل حكومة شملت الجميع، ولم يفرض حكومة أمر واقع، مُحذّرا من إعادة طرح موضوع المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في حال استمر الفريق الآخر بالتعطيل والتعنّت واعتماد مبدأ الصيف والشتاء تحت سقف واحد، ومن ثمّ إعادة كتابة الدستور بشكل يؤدي إلى تطبيق الديمقراطية على أساس الغالبية العددية وليس المناصفة.

مجلس النواب المنتخب ومجلس الوزراء المقبل سيفتقدان حركة مناضل شرس عن حقوق أبناء المناطق المحرومة، بادر إلى الاستقالة مرات عدة عند حرمان مناطق الأطراف، كعكار وبعلبك والهرمل وسواها حقها بالإنماء المتوازن على غرار ما يجري في العاصمة بيروت وسائر المحافظات. ولكن الحاج تعب وقرر التفرّغ إلى عمله في حقل الهندسة، وكفّه نظيف وضميره مرتاح بعد أن وضع ملف إنماء عكار على السكة، وبذل كل جهد ممكن لإنجاز مسوّدة السياسة العامة لملف النزوح وآلية العودة للنازحين السوريين إلى بلادهم.

وفي خضمّ التناقض بين التصريحات الأميركية والروسية والأوروبية بشأن المبادرة الروسية لعودة النازحين، لا يزال معين المرعبي يأمل أن يتمّ “التوصل إلى حلّ جزئي لعودة عدد من النازحين، وتأمين بناء جزء من البنى تحتية في سوريا بمليارات قليلة لتمكينهم من العودة”. ويختم حديثه لـ”العرب” قائلاً “إن ما يجري يمثّل اختباراً لنية النظام السوري إن كان حقا يريد عودة النازحين. وزارة الدولة لشؤون النازحين تتلقى شكاوى يومية عن المعايير الاستنسابية التي يجري على أساسها قبول العودة من عدمها، وهناك عائلات بأسرها عليها حظر عودة. والكرة في الملعب روسيا التي تستطيع وحدها أن تبدد هذه الشكوك، وتحسم مسألة العودة مع النظام السوري لتصل الأمور إلى خواتيمها السعيدة”.

12