مع السلامة إيتو

صامويل إيتو، تقمصّ أزياء 13 فريقا بالتمام والكمال، جاب القارة العجوز طولا وعرضا ولعب في ثلاثة من أقوى الدوريات بأوروبا.
الأحد 2019/09/08
مسيرة حافلة

آن لصامويل إيتو أن يترجّل. لقد قرّر أن يرحل. لم يعد له مكان ضمن لاعبي كرة القدم اليوم. خطّ الفصل الأخير من كتاب حياته الكروية. أزفت ساعة الاعتزال بعد عطاء كبير والكثير من الحلّ والترحال.

إيتو هذا النجم الأفريقي العبقري دوّن اسمه في دفاتر أساطير الكرة في القارة السمراء. ربّما الأرقام والإنجازات هي التي تؤكد أن صامويل كان علامة فارقة في تاريخ الكرة الأفريقية، و”ماركة مسجلة” متفردة.

رحلة دامت حوالي 22 عاما أو أكثر. رحلة شاقة، لكنها كانت مليئة بالعطاء. رحلة طويلة بدأت بقوة وانتهت هادئة. وكل من تابع أطوار مسيرة النجم الكاميروني إلاّ وبدت له الرحلة أشبه بساعات تتراقص مسرعة. والسبب في ذلك أن في كل مرحلة من مراحلها، كان إيتو متميزا ومتألقا ونجما بأتم معنى الكلمة.

إيتو وبعد ممانعة وعدم اعتراف بقسوة “الشيخوخة” الكروية، انحنى أخيرا وقرّر الانسحاب. انحنى وغادر “الخشبة” بعد أن اقتنع أنه لم يعد ذلك الفتى المتّقد حيوية الذي خطف كل الأضواء في السابق.

لم يعد المكان يتّسع إليه، ولم يعد الزمان يسمح له بمواصلة الهرولة والركض أو حتى السير خلف الكرة. لقد استشعر النهاية وأيقن أنه يتوجّب عليه الإذعان لمشيئة العمر ثم يودّع الملاعب، ويقول مثل كل من سبقوه “مع السلامة”.

لكن مهلا، دعونا نتذكر ونستذكر إنجازات إيتو. دعونا نقلّب دفاتر مسيرته الكروية ونستعرض بعض أرقامه وتتويجاته التي جعلته ملك ملوك أفريقيا وأحد أرقى “جواهرها”.

هو فعلا كذلك. فما حقّقه طوال مسيرته الكروية يجعله يرتقي إلى مصاف الصفوة ليس في أفريقيا فحسب، بل في العالم بأسره.

أتدركون “عظمة” الإنجازات التي حقّقها سليل المدرسة الكاميرونية التي أنجبت في السابق روجيه ميلا وأومام بييك وريغوبير سونغ وأنطوان بيل؟ أتعلمون جيدا ما حقّقه هذا المهاجم الموهوب، الهدّاف بالفطرة؟

من المهم الوقوف قليلا على المحطات التي توقّف خلالها “قطار” صامويل. فهذا اللاعب الفذّ الموهوب، تقمصّ أزياء 13 فريقا بالتمام والكمال، جاب القارة العجوز طولا وعرضا ولعب في ثلاثة من أقوى الدوريات بأوروبا.

الطريف في مسيرة إيتو أنه بدأ مع ريال مدريد، لكنه عرف الشهرة مع برشلونة. وبين المحطة الأولى ومحطة برشلونة لعب لبعض الفرق الإسبانية الأخرى. انتقل بعد انتهاء الحقبة الكتالونية بين عدد من الأندية الأوروبية.

لعب في إيطاليا مع الإنتر وعرف المجد أيضا هناك. قادته الأقدار إلى روسيا ولعب مع نادي أنجي. جرّب الدوري الإنكليزي. رحل بعد ذلك إلى تركيا ومكث بها بعض السنوات، قبل أن تكون المحطة الأخيرة آسيوية من بوابة نادي قطر.

بيد أن ما يجعل إيتو حقا نجم النجوم وملك الملوك في أفريقيا أنه حصد تقريبا كل الألقاب. اللقب الوحيد الذي ينقص سجله هو كأس العالم. ربما لو نال هذا اللقب لكان بمقدوره منافسة بيليه ومارادونا وزيدان.

إيتو هذا اللاعب الذي اتخذ بفضل كل إنجازاته وأرقامه القياسية مكانا متقدّما ضمن قائمة أفضل اللاعبين على مرّ التاريخ في العالم، حقّق النجاح سواء مع الأندية أو منتخب بلاده. لقد قاد منتخب الكاميرون للتتويج بكأس أفريقيا في مناسبتين، وبلغ معه النهائي في مناسبة ثالثة. مع الكاميرون خاض نهائي كأس القارات ونال شرف الحصول على المعدن النفيس في الألعاب الأولمبية سنة 2000.

إيتو ترك إرثا ثقيلا قد لا يَقدر أي لاعب من لاعبي الجيل الحالي على حمله. فهو صاحب الرقم القياسي في عدد الأهداف المسجلة ضمن نهائيات أمم أفريقيا برصيد 18 هدفا، وهو الهدّاف التاريخي لمنتخب بلاده برصيد 56 هدفا.

أما مسيرته مع الأندية فلم تكن مختلفة كثيرا من حيث الإنجازات الرائعة والتتويجات. فإيتو حاز لقب دوري أبطال أوروبا في ثلاث مناسبات أكثر من أي لاعب أفريقي آخر. رفع اللقب مرتين مع برشلونة ثم مع إنتر ميلان.

توّج بكأس العالم للأندية، ورفع لقب الدوري الإسباني ثلاث مرات، كما توّج بلقب الدوري الإيطالي. وفي مسيرته التاريخية تمكّن أيضا من نيل لقب الكأس وكأس السوبر في إسبانيا وإيطاليا.

وعلى المستوى الشخصي نال جائزة أفضل لاعب في أفريقيا في العديد من المناسبات، وتوّج بجائزة هدّاف الدوري الإسباني، ووقع الاختيار عليه ليكون ضمن قائمة المنافسين على جائزة أفضل لاعب في العالم في العديد من المرات.

وبفضل هذه الأرقام والإنجازات، فإن النجم الأسطوري كان مختلفا كثيرا. يبدو متفرّدا، حتى وإن نافسه العاجي ديدييه دروغبا الذي برز أيضا في أوروبا خلال فترة توهجه، إلاّ أن ما حقّقه إيتو من ألقاب وبطولات يجعله الأفضل على الإطلاق في تاريخ الكرة الأفريقية.

ربما كان خبر اعتزاله اللعب نهائيا والتوجّه إلى ميدان آخر قريبا من كرة القدم، مجرّد معلومة تناقلتها وسائل الإعلام. لكن حتما سيخلّد التاريخ هذه المسيرة الرائعة لصامويل، سيكتب السجل الكروي العالمي اسم إيتو ضمن قائمة الأفضل.

سيتذكّره الجيل الحالي طويلا، وسيعرفه الجيل القادم بفضل كثرة تتويجاته، فالأرقام لا تموت والإنجازات لا تزول حتى وإن كانت النهايات أهدأ من البدايات، حتى وإن لم يكن هناك من قال لإيتو مع السلامة لحظة الوداع الأخير.

23