مع المتنبي للمرة الـ...

السبت 2017/07/08

صدق شيخنا أبو الطيب حين قال:

وما الدهر إلا من رواة قصائدي/ إذا قلتُ شعراً أصبح الدهرُ منشدا

إذ مرَّت سنون وتوالت أزمنةٌ، وواصلت الدقائق مطَّ أرجلها، فاستحالت إلى عصور، كما يقول خليل حاوي، وما زال المتنبي حاضراً، إذ لا يمر على المتابع وقت طويل، حتى يكون مع المتنبي… في كتاب جديد أو أطروحة تجتهد أو بحث يضيف، ولا تمر أيام من دون أن نقرأ ما هو جديد في ما يتعلق بالمتنبي وشعره، حتى ليس بإمكاننا أن نحدد عدد المرات التي نحن فيها مع المتنبي.

آخر مرة كنت فيها مع المتنبي، حين قرأت ما كتبه المهندس العراقي أسامة العزاوي، المقيم في مدينة الإسكندرية بمصر، وهو مثقف موسوعي على معرفة بتاريخ الأدب والقراءات القرآنية والمقامات العراقية ولا تكاد تلتقيه إلا وفاجأك بأسئلته وبما يرى في هذا الموضوع أو ذاك.

وقد حاول رصد فلسفة المتنبي، ورآها أخلاقية، تتصل بالسلوك الإنساني، وتفسر دوافعه، وأن لا فصل بين شخصيته وسيرته وما كتب من شعر، حيث تمجيد الكرامة الإنسانية وعزة النفس، وإدانة الذل.

ويرى العزاوي، في ما تتضمنه فلسفة المتنبي، أن الإنسان يعيش حياته مرةً واحدةً، لذلك ينبغي عليه أن يحقق فيها غاياته بالشجاعة وصواب الرأي، وأن الأعمال العظيمة لا يمكن للإنسان أن يحققها إلا في مرحلة الشباب، حيث تتوفر له القوة والعزيمة، أما الشيخوخة فهي خريف العمر، حيث يضطر المرء للانسحاب، ويعيش بدايات الانكسار.

أما تحقيق المطالب الكبرى فلا ينبغي أن يكون التوصل إليه بالمكر والحيلة والاستجداء، وإنما بالإقدام والقوة، ويذهب العزاوي إلى القول في هذا المجال، كما تفعل الكواسر والجوارح.

أما على صعيد الإنسان العاقل الكامل، فيراه حسب فلسفة المتنبي، ذلك الشخص الذي يدرك ظروف الدهر وأحوال الدنيا التي لا تستقر على حال واحد، بل هي كثيرة التقلب وسريعة التحولات، تسلب المرء في يومه ما أعطته في أمسه.

ويرى العزاوي في قراءته هذه، أن الأخلاق عند المتنبي نوعان، نوع يخص به اللئام، يقوم على الكذب والذل والنفاق والخيانة، ونوع يخص به الكرام، حيث الصدق والكرم والشجاعة والعفو عند المقدرة، أما الصداقة الحقيقية فهي أفضل من قرابة مزيفة، وإن اعتماد الإنسان على نفسه هو الذي يحدد قيمته الحقيقية، وليس الاعتماد على حسب أو نسب أو الاتكاء على سيرة الأسلاف.

وينهي قراءته التي حاول فيها رصد مقومات فلسفة المتنبي برأيه في الحاكم، الذي هو رأس الدولة، وهو أيضاً القدوة لرعاياه، لذلك ينبغي أن يتحلى بالقوة والشجاعة والكرم والعدل وأن يبتعد تماماً عن أضدادها.

وهكذا يضعنا المهندس أسامة العزاوي مع المتنبي من جديد، من زاوية حاول أن يرصد منها فلسفة المتنبي في عدد من القضايا والموضوعات والحالات، توجز فلسفته في الحياة، وهي قراءة تتسم بالعمق وتفصح عن معرفة بالشاعر وشعره.

ومهما كان موقف المتلقي من هذه القراءة واستنتاجاتها وما توصلت إليه، وافق عليها، كلاً أو بعضاً، أو لم يوافق عليها، كلاً أو بعضاً، أيضاً، فإنها تؤكد ما قاله شيخنا أبو الطيب، بأن الدهر من رواة قصائده، وهو الذي سيظل يكرر إنشادها ويجدد قراءتها، وما كانت هذه القراءة إلا واحدة من قراءات ما زالت تتواصل منذ أكثر من عشرة قرون، وكل قراءة قد تضيف إلى قراءة سبقتها، أو تنقضها، ولكن شعر المتنبي يظل حاضراً، وما هذه القراءات إلا من أصدائه.

وربما، وأنا في حال كتابة هذه السطور، هناك أكثر من محاولة، لقراءات جديدة في شعر المتنبي، قد تكرر ما قيل بشأنه وقد تأتي بجديد.

كاتب عراقي

16