مع المزيد من العنف.. كيف يقرر الصحافيون ما يجب تغطيته

يتحمل الإعلام مسؤولية مضاعفة خلال أحداث العنف، فالطريقة التي يتبعها الصحافيون خلال تغطية الأحداث يمكن أن يكون لها أثر عميق على ردّة فعل المجتمع وتفاعله في أعقاب وقوع مأساة ما، لذلك من المهم نقل مشاعر الناس ووجهات نظرهم وسلوكهم بدقّة، ودفع الناس إلى تقبّل الوضع والتعامل مع الحالة الجديدة.
الثلاثاء 2016/12/13
مهمة مراسل الحروب مضاعفة

واشنطن - تبذل الصحف جهدا كبيرا لنقل الخبر العاجل وأعداد القتلى وتغطية تفاصيل أحداث العنف ومدى تأثر الناس بالأحداث المؤلمة مثل التفجيرات الانتحارية، والاغتيالات والهجمات التي تشنّها الجماعات المتشددة، لكن الجدل مازال يتصاعد حول ماذا يجب أن يغطي الصحافيون؟

تقول شيري ريتشياردي الصحافية الدولية والخبيرة في تطوير الإعلام في واشنطن، وضعنا مبادئ توجيهية لأجل نقل الأخبار والمراسلات، من خلال إلقاء الضوء على سبب حدوث الحدث والتداعيات على الناس، قصد إعطاء فرصة لهم لإيصال أصواتهم والحديث كيف تدمرت حياتهم، بالإضافة إلى البحث عن الأبطال الهادئين الذين وصلوا إلى الضحايا والناجين، واكتشاف الاستثناءات في الحياة العادية للأشخاص الذين تأثروا بالعنف.

وأضافت ريتشياردي، في تقرير نشرته شبكة الصحافيين الدوليين، خلال ورشة عمل في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، أثار أحد المراسلين سؤالاً سمعه من الصحافيين العاملين في مناطق النزاع “مع المزيد من العنف، كيف نقرّر ما تجب تغطيته؟”.

وتحدث المراسلون عن تجاربهم في الميدان، وكان واضحا أن البعد الإنساني هو الذي يحكم توجهاتهم وقرارتهم في التغطية، حيث نقل أحد المراسلين قصة ثنائي استقبلت عائلتهما طفلين، بعدما فقدا والديهما خلال تفجير سيارة. فيما تحدث مراسل آخر عن طبيب أجرى عمليات جراحية تجميلية بشكل مجاني لبعض الأشخاص الذين تعرّضوا لتشوهات خلال الاعتداءات، وقد سلك هذان الصحافيان الطريق الصحيح في نقل الخبر.

ويعتبر فرانك أوشبيرغ، مؤسس مركز “دارت” للصحافة والصدمة، أنّ دور الإعلام يصبح أهم لدى وقوع كارثة. ويقول في مقابلة مع مركز الصحافة الدولية حول دليل تغطية الأزمات “الطريقة التي يتبعها الصحافيون خلال تغطية الأحداث يمكن أن يكون لها أثر عميق على ردّة فعل المجتمع وتفاعله في أعقاب وقوع مأساة ما”.

وشدّد على أنّه خلال وقوع صدمات كبيرة ومآس، من المهم نقل مشاعر الناس ووجهات نظرهم وسلوكهم بدقّة، كما تجب مساعدة الناس على تقبّل الوضع وتوفير إطار لكيفية التعامل مع الحالة الجديدة.

العقول يمكنها تذكر القصص الإخبارية، لكن السرد الجيد يتم تذكره 22 مرة أكثر من الحقائق أو التصوير فقط

وأضاف، في أعقاب وقوع حادثة 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، عدت إلى اقتباس من مراسل سابق في بوينتر يدعى بيل ميتشيل كوحي لنقل الأخبار العاجلة من أجل مراسلة أكثر إنسانيّة.

ويقول ميتشيل إنّ “الصحافيين اكتشفوا أنّ أحد أفضل الطرق لنقل الأحداث هو البحث عن أثرها على الحياة اليومية للأشخاص”.

سأل الصحافي المخضرم “ما الذي يتطلّبه الأمر، إذا وجدت مرّةً قصّة جيدة حول شخص ما، لنقلها وكتابتها بطريقة غير عاديّة؟”. ثم أشار إلى “الصور الكئيبة” التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، وهي سلسلة تتضمّن لمحة عن 2500 ضحية في أحداث 11 سبتمبر.

ووصف ميتشيل التشكيلات “التي غالبًا ما تركّز على جانب واحد من شخصية المعني أو على موهبة خاصّة له أو صفة تحلّى بها. بأنها كثيرًا ما تتضمّن درسًا للحياة.. وهو ما تكشفه الصحيفة في بضع كلمات”. إذن، كيف يستطيع الصحافيون الوصول إلى نقل الأحداث بطريقة أكثر إنسانية؟ النصيحة الأفضل “وضع خطّة”.

وأضاف، عندما نقلت آثار مجزرة في قرية كرواتية خلال حرب البلقان، أجريت مقابلات مع ناجين، أقارب ضحايا، الشرطة المحلية وكاهن الرعية، من أجل إلقاء نظرة ثاقبة على الأحداث المرعبة، جُلت في مشرحة وشاهدتُ عائلات منكوبة ترثي أحباءها، وعددا من الأشخاص يسردون ذكريات حميمة عن شخص كان راقصًا شعبيًا أو أمّا أعدّت فطيرة تفاح طازجة لجنود كرواتيين مرّوا بالقرية، وهو ما كان غريبا.

ركّز الصحافي خلال إعداد التقارير، على أربعة أمور “القصّة الحقيقة، وماذا يريد أن يفهم الأشخاص خلال قراءتهم التقرير؟ وما هي الأصوات الرئيسية؟ ولماذا يجب أن يهتمّ أي شخص بالمقال؟”.

بدورها، وجدت جنيفير آكر، وهي طبيبة في علم النفس الاجتماعي وأستاذة في كلية ستانفورد لدراسات الأعمال، ومتخصّصة في فن القصّ، وكانت أبحاثها تحظى بأهميّة خاصّة لدى الصحافيين، وجدت أنّ العقول يمكنها تذكّر القصص، وأن السرد الجيّد يتم تذكّره 22 مرّة أكثر من الحقائق أو التصوير فقط.

ولخصت عناصر القصّ الناجح في التركيز على عدة نقاط، من أهمها الهدف أي لماذا تُروى القصّة؟ إذ يجب أن يتم توضيح الهدف الذي يريد الصحافي أن يفكّر فيه المتلقي أو يشعر به أو ينفّذه عند نشر المقال. ويعتبر الهدف فعّالاً عندما يبدأ الجمهور بالتفاعل وتصل القصّة إلى نقطة النهاية.

كما أنه من المهم جدا جذب الانتباه لدفع الناس إلى الاستماع للقصة، وهو ما وصفته الباحثة باستخدام صنّارة تشدّ القراء أو المستمعين، مثل حقائق مفاجئة ومثيرة، أو مؤثرات بصريّة ونهج غير عادي. بالإضافة إلى محاولة تبديل وجهات النظر، بالنظر إلى ما هو أبعد من الزوايا الضيّقة.

وذكرت آكر أن في الدوائر الصحافية، قصة تعرف بـ”قصّة حفار القبور”، فبعد اغتيال جون كينيدي، وُضع جثمانه في بهو الكابيتول. وظهرت مواكب المشيعين في عدسات الصحافيين. لكن المراسل جيمي براسلين اختار طريقًا آخر؛ ذهب إلى مقبرة أرلينغتون الوطنية ونقل قصة فيها وصف دقيق لرجل مسنّ حفر قبر الرئيس، وباتت تلك القصة من أبرز القصص التي لا تنسى في ذلك الوقت المأساوي.

18