مع سبق الإصرار والترصّد

اليوم أتى الدور على الميلان الذي قد يسعفه الزمن لوحده وتلهمه روائع الماضي القريب ويعود مرة أخرى قويا مهابا، لكن الظلم التي تعرض له هذا الفريق بكل إضمار قد يصيب كل فريق لا يستوعب الدرس ويبقى مصيره معلقا بنزوات مالك عابث.
الأحد 2018/12/16
محنة الميلان تتواصل

في أوروبا وفي بقية القارات، لا شيء يعادل من حيث المجد والفخر التتويج بلقب دوري الأبطال، ولا شيء يسيء لأي فريق عريق أكثر من عدم التأهل للمشاركة الأوروبية.

لنذكر مثلا ريال مدريد، فهذا الفريق تمكن خلال المواسم الأخيرة من تجاوز كل عثراته المحلية بفضل تتويجاته الأربعة ضمن البطولة الأوروبية، لا أحد في إسبانيا وأوروبا وفي العالم بأسره بمقدوره الحديث عن فشل الريال محليا واكتفائه بلقب وحيد في الليغا في سبعة مواسم، والحال أنه فرض نفسه ملكا متوجا في أوروبا مبتعدا بستة ألقاب كاملة عن أقرب ملاحقيه.

أتدرون من هو ملاحقه صاحب المركز الثاني في عدد الفوز بلقب دوري الأبطال؟ إنه الميلان الإيطالي، هذا الفريق الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وكان “سيد” الزمان خلال التسعينات من القرن الماضي وكذلك في بعض السنوات من العشرية الأولى للألفية الثالثة.

اليوم ربما لو تسأل أي صبي ولع حديثا بكرة القدم الأوروبية عن الميلان، قد تكون إجابته بأن هذا النادي يعتبر من فرق الصف الثاني في إيطاليا، لم يعد له أي وجود وتأثير في المشهد الأوروبي، لم يعد هذا الفريق قادرا على اكتساح الجميع ومقارعة المنافسين في الساحة، لقد أضحى منذ سنوات مجرد رقم وإنجاز حفظه التاريخ، لم يعد هناك حاضر مشع لمستقبل أكثر إشراقا.

أين الميلان الآن؟ أين ذلك الفريق الذي كانت تهابه كل الأندية المنافسة؟ ذلك الفريق الذي كان من أكثر الأندية استقطابا للنجوم ومشاهير اللعبة، ذلك الصرح الذي مرّ به “أعظم” نجوم الكرة في العالم على غرار أساطير الكرة الهولندي خوليت وفان باستن والبرازيلي رونالدو والإنكليزي بيكهام والسويدي إبراهيموفيتش والأوكراني تشفشينكو والليبيري وياه وكذلك عباقرة “الطليان” كباريزي ودونادوني ومالديني وكوستاكورتا؟

الإجابة لمن سكن هوى الميلان قلبه هي للأسف محبطة، ومؤسفة للغاية، فالميلان نزع رداء القوة والروح التنافسية العالية ليلبس ثوب الاستكانة والمذلة والفشل المتواصل.

بالأمس القريب حصلت انتكاسة غير مسبوقة، ولكم أن تتخليوا كيف لفريق صال وجال في شتى أصقاع أوروبا وتربع على العرش في أمجد الكؤوس القارية في سبع مناسبات كاملة أن يسقط مبكرا ويغادر بطريقة مهينة مسابقة دوري أوروبا التي تتنافس فيها فرق الصف الثاني في القارة العجوز.

الميلان فشل في تجاوز عتبة دور المجموعات بعد هزيمة موجعة ضد أولمبياكوس اليوناني، انتهى الحلم الأوروبي “الصغير”، وحتى المسابقة الثانية قاريا بدت صعبة المنال، بل مستحيلة على الفريق الإيطالي.

ربما يعتقد البعض أن ما يمر به الميلان حاليا يشبه إلى حد ما وضعية مانشستر يونايتد الذي تأثر كثيرا بعد اعتزال مدربه الأسطوري أليكس فيرغسون لتتراجع أسهمه كثيرا خلال المواسم الأخيرة محليا وأوروبيا.

لكن نظرة متفحصة تكشف البون الكبير بين الفريقين، فمانشستر فقد فعلا الكثير بعد ذهاب فيرغسون، غير أنه ظل صامدا ويكفي القول إنه فاز منذ موسمين بلقب دوري أوروبا للتأكيد على ذلك.

فمانشستر خسر مدربا قديرا لكن حافظ على الأساس، تمسك بقوته المالية وتنظيمه الإداري، لم يعش التخبط في هذا المجال، أما الميلان فتلك قصة أخرى.. الميلان كان ضحية منظومة كاملة، لقد تعرض الفريق للاغتيال مع سبق الإصرار والترصد.

ربما يتذكر بعض المولعين بالكرة الأوروبية، كيف انتهت حقبة الرئيس السابق ومالك النادي سيلفيو بيرلسكوني، حيث آثر الأخير الابتعاد عن النادي ووضعه في مزاد علني للبيع، لقد سئم ذلك السياسي صاحب المزاج المتقلب شؤون الكرة وقرر من دون أن يدري أن يترك السفينة المتهالكة تصارع الأمواج.

أتدرون ما فعل قبل الرحيل؟ لقد أفرغ الفريق من نجومه حيث تم التفريط على سبيل المثال في السويدي إبراهيموفيتش والبرازيلي تياغو سيلفا إلى باريس سان جيرمان، رحل أيضا بقية النجوم قبل أن يتم التفويت في النادي إلى مجموعة استثمارية جديدة لم تحصد سوى الفشل واليأس.

أتدرون أيضا أن الميلان كان كذلك أبرز ضحية للأزمة المالية التي ضربت الكرة الإيطالية منذ ما يزيد عن عشر سنوات، لقد تأثر الفريق كثيرا ولم يعد قادرا على النشاط في سوق الانتقالات مثلما كان يفعل في السابق.

لقد انفضّ الجميع من حوله، وبدأت منذ نهاية العشرية الماضية ملامح الورطة الكبيرة التي بدأ يعاني منها الميلان تماما مثل عدد آخر من الأندية الإيطالية.

لكن في الوقت الذي نهضت خلاله “السيدة العجوز” سريعا، وفي الوقت الذي حافظ خلاله جاره إنتر ميلان على بعض الهدوء ونجح خلاله نابولي نسبيا في استعادة ذكريات زمنه الرائع وتوصل روما إلى تحسين مستواه، تواصلت محنة الميلان واستمر الحال على ما هو عليه إلى اليوم.

أفلت “المجرم” من العقاب، لم يتم فتح الدفاتر بشكل جدي لتشخيص كل الأسباب التي أدت إلى حصول هذا “الجرم” بحق الميلان، بل على العكس من ذلك تماما لم تتوفر سوى بعض المسكنات البالية، وكانت كل الحلول جزئية عديمة الجدوى وبلا أي فائدة.

اليوم أتى الدور على الميلان الذي قد يسعفه الزمن لوحده وتلهمه روائع الماضي القريب ويعود مرة أخرى قويا مهابا، لكن الظلم التي تعرض له هذا الفريق بكل إضمار قد يصيب كل فريق لا يستوعب الدرس ويبقى مصيره معلقا بنزوات مالك عابث.

23