مع فلسطين وضد الرجوب

الأحد 2015/11/08

شد وجذب بين الاتحادين السعودي والفلسطيني لكرة القدم، حول إقامة مباراة المنتخبين في إطار تصفيات كأس العالم ونهائيات كأس آسيا، والقضية باختصار أن الاتحاد الفلسطيني صمّم على إقامة المباراة في الملعب البيتي، أي في فلسطين أو الأراضي المحتلة لأنّ ذلك من حقه، ولتثبيت الحق الفلسطيني في ملعب بيتي باسم فلسطين، والاتحاد السعودي تناغما مع قرار سياسي يريد ملعبا محايدا، وانتهى الكرّ والفرّ بتحقق الرغبة السعودية بعد استجابة السلطة الفلسطينية لاتصال ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وعلى عكس موجة الإعلام الرياضي السعودي، فإنني مؤيد تماما لوجهة نظر الاتحاد الفلسطيني، وهذا ليس موقفا مستحدثا، بل إنني أطلقت حملة قبل سنوات مطالبا بأن تسمح الدول العربية والخليجية لمواطنيها بزيارة القدس والأراضي المحتلة، فالأوراق والأختام لا تعني شيئا، كما أن المقاطعة لم تقدم ولم تؤخر في مكانة إسرائيل الدولية والرسمية.

بل على العكس تماما، لو نظرنا إلى نتائج المقاطعة خلال عقود مضت، لوجدنا أن ضررها أكبر وأكثر من نفعها، وعلى رأي الأستاذ عبدالرحمن الراشد فإن سياسة المقاطعة ساوت بين المعتدي وبين المعتدى عليه، وربما كان أثرها على الضحية أشد وأقسى من الجلاد.

سياسة المقاطعة لا تقوم على أساس، فهذه ليست أول مرة تحتل فيها دولة عربية أو إسلامية، وفلسطين تحديدا ليست هي المرة الأولى التي تعاني منها من نير الاحتلال، ولم نسمع قبل ذلك، على مر التاريخ، دعوات مقاطعة أو استجابة لدعوات مقاطعة، فهذا يخالف العقل والمنطق سياسيا ودينيا وإنسانيا.

الشعارات التي سمعناها قرابة 60 سنة تسير بنا من هاوية إلى هاوية، ومن ضعف إلى ضعف، لذا فمن الضروري إعادة التفكير باتجاهات أخرى

إن مقاطعة القدس والأراضي الفلسطينية بذريعة دينية لا يحمل وجه حق، فالنبي الكريم زار مكة -ولم يمنع زيارتها- وهي بعيدة عن ولاية المسلمين، والأثر النبوي واضح في شد الرحال إلى المسجد الأقصى دون اشتراط الولاية عليه. إضافة إلى أن الاحتلال الصليبي -ثم الاستعمار- لبيت المقدس لم تواكبه من العرب والمسلمين دعوة مقاطعة. على صعيد آخر، إن كانت زيارة القدس مستحبة في الإسلام زمن السلم والاستقلال، فإن حالة الاحتلال توجب زيارتها كمظهر من مظاهر التمسك بهويتها العربية والاعتزاز بتاريخها والتفاؤل بمستقبلها، وتحية لأهلها الذين واجهوا وحدهم انتهاكات إسرائيل بالصبر والثبات وبكل سبل الكفاح المشروعة.

وإذا كانت اتفاقيات السلام فشلت في تحقيق التطبيع بين العرب وبين إسرائيل، فلن تنجح زيارة مخلصة لفلسطين في ذلك.

إن السماح للعرب بزيارة القدس وفلسطين يكمل الجهود السياسية في دعم القضية الفلسطينية، ويعمّق أواصر الصلة الروحية والنفسية بين العرب -قادة وشعوبا- وبين فلسطين وشعبها وقضيتنا العادلة المحقة.

إن الوعود العربية والإسلامية بتحرير فلسطين وزيارة القدس لا نرى على الأرض -للأسف- أي أسباب تتخذ لتحقيقها حربا أو سلما، وعليه فإن المواطنين العرب لهم حق يجب أن لا يمنعوا عنه ولهم دور يجب أن يقوموا به يتمثل في المحافظة على القدس وفلسطين حقيقة وواقعا في الوجدان ونسج الأواصر مع الأراضي المحتلـة وأهلها.

التواصل مع فلسطين والقدس -أرضا وشعبا- سيكون وسيلة ضغط جديدة لصالح القضية الفلسطينية، وسيكون شهادة إدانة جديدة ضد إسرائيل. فالمقاطعة أتاحت لجهات متطرفة المتاجرة بالقضية الفلسطينية وزعزعة الاستقرار في الدول العربية، وهذا يجب أن يتوقف.

إن مقاطعة القدس والأراضي الفلسطينية بذريعة إنسانية أو ثقافية أو أخلاقية لا يحمل وجه حق، فعدسات وشهـادات الناشطين الحقوقيين ومؤسسات المجتمع المدني هي التي وثّقت جرائم إسرائيل قبل تقارير المنظمات الدولية.

إن زيارة القدس وفلسطين واجبة لما تحمله من قيمة إنسانية كبرى تكمن في التسامح واحترام الآخر والعيش المشترك، في ظل الأوضاع المتشنجة في المنطقة بسبب الخطابات الطائفية المريضة. زيـارة القدس وفلسطين تعزيز للقيـم الأخلاقية التي تمثلها وتمثلنا، كما أنهـا موقـف ثقـافي يرفض -سلميا وحضاريا- مشاريـع الاحتلال والاستيطان وإحياء دائـم ومتجـدد للقضية في مشهدنا العام.

المقاطعة أتاحت لجهات متطرفة المتاجرة بالقضية الفلسطينية وزعزعة الاستقرار في الدول العربية، وهذا يجب أن يتوقف

زيارة القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة حق مشروع، والحق لا يبرر، كما أن الانتفاع به يجب أن يكون متاحا بلا إكراه. فالشعارات التي سمعناها قرابة 60 سنة تسير بنا من هاوية إلى هاوية، ومن ضعف إلى ضعف، لذا فمن الضروري إعادة التفكير باتجاهات أخرى.

إن المصالح في زيارة القدس وفلسطين أكبر وأكثر من المفاسد المتحققة في المقاطعة. فلا «تطبيع» أوضح من ترك إسرائيل تفعل ما تريد في الأراضي المحتلة، ولا “اعتراف” أنصع من مقاطعة أرضنا وأهلنا بذريعة الاحتلال، ولا هزيمة أمضى من استيلاء الخطاب المتطرف والطائفي على القضية الفلسطينية وتشتت الخطاب المدني الإنساني.

من أجل المنطلقات السابقة، وددت لو أن المنتخب السعودي لعب مباراة فلسطين في أرض فلسطين، ورغم المنطلقات السابقة أدين أساليب رئيس الاتحاد الفلسطيني جبريل الرجوب التي أضعفت القضية العادلة للفلسطينيين واستهانت بالمملكة وأساءت لنفسه، فالتعامل مع دولة قدّمت كل جهد ودعم للقضية بمراوغة وازدواجية ومزايدة ليس مقبولا، وأدت أساليبه الملتوية إلى إثارة الريبة، يضاف إلى ذلك التاريخ الجدلي للرجل، فالرجل الذي قضى 17 عاما في سجون إسرائيل بسبب إلقائه قنبلة على سيارة عسكرية إسرائيلية، مسيرته بعد اتفاقية أوسلو ملتبسة جدا.

تولّى الرجوب مسؤولية جهاز الأمن الوقائي في السلطة، واتهم بمحاولة الانقلاب على عرفات عام 1997 لكنه نجا من التهمة، وخلال مسيرة عمله اتهم بقتل القائد الحمساوي محي الدين الشريف، بل واتّهم بتسليم عناصر من كتائب القسام للسلطات الإسرائيلية، انتهت مسيرة رجوب السياسية زمن عرفات بعد مجزرة جنين عام 2002، حيث اتهم الإعلام الفلسطيني الرجوب بالعمالة الصريحة لإسرائيل بعد أن فاحت رائحة تقصير الرجوب أو تواطئه، ممّا أدى الى وقوع المجزرة أو تفاقم ضحاياها، وهنا أزاحه عرفات جانبا. وحتى مسيرة الرجوب الرياضية جدلية، ومن ذلك موقفه الغامض من ترشح الأمير علي بن الحسين لرئاسة الفيفا.

إن سياسة مقاطعة فلسطين المجرّبة خلال عقود أفضت إلى انقطاع التواصل الحضاري والمعنوي والإنساني بين العرب والمسلمين، وبين القضية الفلسطينية التي لم تعد تعني للبعض إلا صورة باردة أو خبرا جافا متأخّرا في وسائل الإعلام، ومن المؤسف، أن يعرف أبناء العرب والمسلمين التفاصيل الدقيقة لعواصم الغرب والشرق، ولا يعرفون شيئا عن العاصمة المقدسة الثالثة في الإسلام. إن مقاطعة فلسطين من العوامل التي أتاحت لإسرائيل تنفيذ مخططاتها المعلنة بتهويد المدينة المباركة وتوسيع رقعة الاستيطان.

ما أتعس أهل فلسطين، فمن همّ احتلال الصهاينة إلى همّ مقاطعة العرب، وفوق كل ذلك همّ مرتزقة كالرجوب، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

صحافي سعودي

5