مغاربة يحصدون الضباب لإرواء عطشهم

غيرت فكرة فريدة وبسيطة قائمة على تحويل الضباب إلى ماء، حياة سكان خمس قرى جنوب غرب المغرب، إذ جنبتهم مشقة قطع عشرات الكيلومترات كل يوم من أجل الحصول على حاجتهم من ماء الشرب.
الخميس 2015/06/18
لم تعد هناك نساء يرهقن أنفسهن كما في الماضي للحصول على مياه عذبة

سيدي ايفني (المغرب) – على ارتفاع 1225 مترا عن سطح البحر، وفوق قمة جبل بوتمزكيدة المطل على خمس قرى متاخمة لمدينة سيدي إيفني في الجنوب الغربي للمغرب، انتصبت أربعون شبكة ضخمة معترضة مسار الضباب المخيم على الجبل.

وتشكل تلك الشباك “فخا” لقطرات الماء المتبلورة من الضباب، حيث تقوم بـ”حصدها” باستمرار، لتتم معالجتها بعد ذلك وخلطها مع مياه الآبار ونقلها بعد ذلك عبر الأنابيب إلى القرويين القاطنين في القرى عند سفح الجبل.

ويوضح عيسى الدرهم، رئيس جمعية “دار سيدي حماد للتنمية والتربية والثقافة” أن فتح صنبور والحصول مباشرة على مياه عذبة في مثل هذه المنطقة ذات المناخ شبه القاحل، يعتبر “ثورة” في نظر السكان.

وفي قرية إيد عاشور وهي واحدة من القرى الخمس المستفيدة من المشروع، كانت النساء والأطفال يقضون أربع ساعات يوميا في المتوسط ذهابا وإيابا للحصول على المياه من الآبار، ويتضاعف هذا الوقت مع فصل الصيف حيث تصبح المياه أكثر ندرة.

وتشرح مسعودة بوخلفة البالغة من العمر 47 سنة، معاناتها في الماضي: “كنت أملأ قنينتين سعة الواحدة عشرون لترا، وذلك أربع مرات في اليوم، لكن لم تكن تكفينا لأن لدينا بعض رؤوس الماشية”.

وظهرت تقنية “حصد الضباب”، كما يحب أن يسميها سكان القرى، قبل نحو عقدين في قمم جبال الأنديس في تشيلي، حيث كثافة الضباب مناسبة لحصده.

وهذه التقنية التي طورتها منظمة “فوغ كويست” غير الحكومية وجربتها في عدد من بلدان العالم مثل غواتيمالا والبيرو وناميبيا تستخدم الآن للمرة الأولى في شمال أفريقيا.

واختار المشرفون على المشروع في المغرب مناسبة اليوم العالمي للمياه الموافق لـ 21 مارس لفتح أنابيب التزويد الرئيسية، ومنذ ذلك التاريخ “استفاد 92 منزلا، أي نحو 400 شخص” من الماء الصالح للشرب، حسب منير عبار المشرف على الإدارة التقنية للمشروع.

ويشرح عيسى الدرهم الذي كان وراء هذه المبادرة أن ما يساعد في نجاحها هو “كثافة الضباب في المغرب بسبب ثلاثة عوامل أساسية، هي الضغط الجوي المرتفع، والتيارات البحرية الباردة، والحاجز الذي تشكله الجبال”.

وحسب الدرهم، هذه التقنية “تقلد الطبيعة فقط” في تحويل الضباب إلى ماء سائل، ثم تتكفل شبكة بحجز هذه المياه الصالحة للشرب لتخزينها وتوزيعها.

وعن إيجابيات هذه التقنية يقول “إنها صديقة للبيئة وتساعد على الحفاظ على منسوب المياه الجوفية في المنطقة، والذي يتعرض للاستنزاف”، إضافة إلى تخفيض قيمة فواتير المياه وشراء الخزانات أو استئجارها على السكان، خاصة في أوقات الجفاف.

ويقول شاب مقيم في قرية إيد عاشور يدعى الحسين “إن نقل المياه عن طريق خزانات كان عملية واجبة كل 15 يوما، وكانت تكلف 150 درهما للخزان (15 يورو) الذي تبلغ سعته خمسة آلاف لتر”.

وحسب جمعية “دار سي حماد”، فإن مياه الضباب خفضت تكلفة نقل المياه ثلاثة أضعاف. ويتعين على السكان دفع مساهمات رمزية للحصول على عداد يعمل بالبطاقات المدفوعة مسبقا.

ويرى السكان أن هذه التقنية أشبه بالهبة من السماء، تجعلهم يستفيدون من أوقاتهم في الأنشطة الاقتصادية المدرة للدخل، مثل استخلاص زيوت شجرة الأركان، بدل بذل الساعات الطوال في تأمين المياه.

وتطمح جمعية “دار سيدي حماد” في خطوة مستقبلية إلى تعميم التجربة على أكبر عدد من القرى القريبة من الجبال، إضافة إلى استبدال الشباك المستعملة حاليا بشباك أخرى جديدة تقاوم رياحا تصل سرعتها إلى 120 كيلومترا في الساعة.

24