مغارة بني عاد تحفة طبيعية تمتد من الجزائر إلى المغرب

لم يعد لسياحة الفخامة اهتمام يذكر بعد أن أصبحت لوازم الرفاهية متوفرة في كل المدن الحديثة وحتى المنازل، لذلك توجه أغلب المغرمين بالسفر إلى سياحة المغامرة والاستكشاف والاطلاع على الثقافات الشعبية للشعوب الأخرى.
الأحد 2016/03/06
لكل خياله في تأويل المنحوتات الطبيعية

الجزائر- تحفل الجزائر بالعديد من المغارات والكهوف المنتشرة عبر أرضها المترامية، فأينما يتوجه الزائر في هذه الأرض المترامية تعانقه متاحف طبيعية كما هو حال مغارة “بني عاد” الشهيرة التي تتراقص بها الأساطير التي نسجها الإنسان منذ 5 آلاف سنة.

يقولون عن تلمسان “من زار عاصمة الزيّانيين فقد اكتشف العالم، ومن زار مغارة بني عاد فيها فقد جال العالم”. فمغارة بني عاد هي مغارة طبيعية صنّفت كثاني أكبر المغارات، وتعدّ الأولى والأجمل في شمال أفريقيا، حيث يقصدها سنويا ما يناهز عن 27 ألف سائح، وتتميز بنوازل وصواعد كلسية هائلة تستطيل بسنتيمتر واحد كل مئة عام.

واكتشف الأمازيغ مغارة بني عاد في القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد حسب اختلاف الروايات، ليتخذوا منها مسكنا آمنا لهم وقصورا لملوكهم وزعمائهم.

فمن أبرز ما يميّز المغارة طولها الذي يتجاوز 750 مترا، وانحدارها إلى عمق يقرب من 57 مترا، واتساعها لعرض يزيد عن العشرين مترا، وبدرجة حرارة ثابتة طول العام عند 13 درجة، مشكّلة بذلك تجاويف وحجرات ذات منحوتات طبيعية، توفّر للزائر أريحية أثناء التجوال، عكس بعض المغارات الأخرى التي يضطر فيها إلى السير داخل الماء في مسارات ضيقة أو منخفضة.وتمت تهيئة ساحة أمام مدخل المغارة بمرافق عامة، كمقهى ومطعم بالإضافة إلى إنارة المغارة ووضع طريق فيها ينحدر بسلّم حجري، ثم يتواصل منعرجا وملتويا كجسر أو كسكة قطار ألعاب بين تلك المنحوتات الرائعة.

وقد ألهمت المغارة كبار المؤرخين من شعراء وكتاب مما جعلهم يؤرخون لها في كتاباتهم من أمثال العلامة عبدالرحمن بن خلدون، وابن أبي زرع ومن الشعراء نجد ابن خفاجة وابن الخميس.

ويعد الوصول إليها شرقا في حد ذاته سفرا مجانيا في عوالم طبيعية غاية في الجمال، إذ في الطريق إلى بني عاد تشد انتباه الزائر جبال الوريت التي هي عبارة عن غابات وجبال، وتلك الشلالات التي كانت قديما تنبعث منها مياه تنزل مهذارا تبعث الانتعاش في نفوس الزوار.

ورغم جفاف تلك الشلالات إلا أن مسؤولي المنطقة اهتدوا إلى إقامة شلال اصطناعي للحفاظ على هذا الإرث الطبيعي، في جبال يشقها “جسر إيفل”، وهو الجسر الذي صممه صاحب برج إيفل بباريس والذي لا يزال اسمه منقوشا فوق الجسر، كما لا يمكن لأيّ زائر لمغارة بني عاد مواصلة هذه الرحلة دون توقف والارتواء من مياه “عين الصخرة” العذبة.

الصواعد الصخریة الكلسیة العجیبة تأخذ شكل شجر النخیل، فیعانق بعضها بعضا وقد ارتسمت فوقها أشكال غریبة تحرك الخيال

وتنقسم القاعدة الكبرى للمغارة إلى قسمين، يحتوي القسم الأول على أعمدة كلسية ذات أشكال تبهر زائريها يبلغ طولها حسب بعض الروايات 150 كلم، ويمتد حتى تراب المملكة المغربية مرورا جنب غار بومعزة بسبدو جنوب تلمسان إلى مغارة الحوريات بسيدي يحي قرب وجدة المغربية، حین تستمر في النزول عبر مسلك ضیّق تمت تهیئته للراجلین، یستقبلك هدیل الحمام الذي یتخذ من المغارة مسكنا آمنا.

ولا شك أن الذي یعرف الصحراء وواحاتها یخیّل إليه أنه مقبل على الاستظلال بواحة للنخیل، حین یرى تلك الصواعد الصخریة الكلسیة العجیبة في شكل شجر النخیل، فیعانق بعضها بعضا وقد ارتسمت فوقها أشكال غریبة وعجیبة یفسرها كل حسب مخیلته وإدراكه.

في أسفل المغارة توجد قاعة السیوف، وسمّیت كذلك للعدد الكبیر من الصخور النوازل التي تشبه السیوف العربیة البیضاء والمقدر عددها بعشرات الآلاف من مختلف الأحجام.

وتسمى هذه القاعة الفسیحة بقاعة المجاهدین، حیث كان الثوار الجزائریون یتخذونها ملجأ یلجؤون إلیه من ثقب صغیر كان یؤدي إلى سفح الجبل، وبعد اكتشاف الأمر من طرف الاستعمار الفرنسي سنة 1957 تم تدمیر ذلك الثقب بواسطة الدینامیت، مما أدى إلى ردمه وبقیت آثار الجریمة بادیة إلى الیوم، وتتسرب میاه الأمطار المتساقطة إلى جوف الأرض وإلى أسفل المغارة.

ورابع قاعة، هي قاعة الرخام الواسعة والشاسعة ذات الجدار الأبيض الملَون كصفائح الرخام نتيجة الترسبات الكلسية البيضاء التي تتركب بواسطة القطرات المائية المتناثرة على رؤوس الصخور الحادة، والتي يعود تشكيلها إلى آلاف السنين، وبالتالي باستطاعة المرء أن ينقر بيده أو بعمود خشبي على الجدار الصخري، ليحدث بذلك نغمات موسيقية تتزاوج مع رجع الصدى القوي داخل الغرفة مشكلا ألحانا عذبة وموسيقى رنانة تعبّر عن أنواع الموسيقى الحالية بالعالم العربي والغربي، حيث يبرز الدف وأنواعه في واجهة الآلات الموسيقية العصرية.

مرحبا بكم في متحف الطبيعة

وحسب علماء الجيولوجيا، فإن تلك القطرات المحملة بالكلس وبثاني أكسيد الكربون وبعد تساقطها إلى أسفل المغارة، تخلّف ترسبات كلسية تتحول إلى نوازل صخرية ساحرة• وبعد تساقط تلك القطرات إلى أسفل المغارة تبدأ الصواعد في التشكّل، وقدّر الجيولوجيون كل سنتمتر واحد بمئة سنة.

وتتوزع بالممرات والزوايا أشكال مختلفة محيطة بها من كل جانب تعبّر عن حضارات عربية وفينيقية ورومانية قديمة، إذ لا تكاد تفارق عينك ولو للحظة واحدة وأنت تعبر من غرفة إلى أخرى، تماثيل متنوعة وضخمة وكأنها نحتت بواسطة اليد، مختزلة أضخم الأعمال التي أوجدها الإنسان على سطح المعمورة منذ نشأته، بدءا من الفراعنة إلى الحضارة الإغريقية، على غرار تمثال “أبو الهول” بأهرامات مصر في مشهد حراسة الهرم، بالإضافة إلى شخصية فلسفية ممثلة في أرسطو في حديث مع الإمام، بالإضافة إلى سور الصين العظيم، وصورة أمّ ترضع ولدها الجائع على قمة هضبة، وكذا لوحة فنية طبيعية ترسم محاربا رومانيا يحمل قوسا ورمحا في حالة استعداد لبدء المعركة، ناهيك عمّا يزخر به هذا الكهف العجيب من تراث طبيعي ورموز وتعبيرات عديدة تفهم حسب إدراك ومفهوم كل شخص، ولا يشترك غالبية الناس في تفسيرها لأنها من صنع الطبيعة. وهذه هي السمة الجميلة فيها، فكل إنسان يتصورها كما تترجمها له مخيلته.

وعلى منوال تمثال الحرية المنحوت الذي قدمته فرنسا هدية للولايات المتحدة الأميركية، توجد داخل غرفة صخرية وسط المغارة، نسخة طبق الأصل لتمثال الحرية الذي يرتفع عاليا بولاية نيويورك. كما تحتوي من جانبها غرفة أخرى على تمثال طائر “الصقر” أو ما يُعرف بـ”طائر الملوك المفضل”، وكذا الحيوان البرمائي “الفقمة” في وضعية خروج من مياه البحر.

ورغم روعة مغارة بني عاد والإقبال الكبير من الزوار والسواح عليها، إلا أنها تبقى مكانا سياحيا غير مستغل من طرف السلطات القائمة على شؤون السياحة بمحافظة تلمسان لغياب بعض المرافق السياحية الهامة، لا سيما أن المنطقة المحيطة بالمغارة ذات تضاريس جبلية تصلح لأن تكون منتجعا سياحيا ضخما.

و من جهة أخرى تحتاج المغارة الى ضرورة الحفاظ على جمالها و سلامة الصخور والنوازل و الصواعد من خلال عدم لمسها وعدم إصدار الضجيج داخل المغارة كونها حساسة جدا لمثل هذه الأمور وتجنبا لسقوط الصخور.

17