مغازلة الأفيال الهائجة.. المسافة الملتبسة بين خطاب القمع والخطاب الساخر

الأحد 2013/11/24
تخطيط الصورة لساي سرحان

تستحضر البرامج والمسرحيات السياسية الساخرة التي تحفل بها المسارح والشاشات العربية عامة واللبنانية خاصة السياسيين وتظهرهم في صورة تخفي واقعهم. غالباً ما يكونوا هم أنفسهم من أبرز المروجين لها، إذ نراهم يتقدمون الصفوف ويبدون الآراء المستحسنة، وفي مرات كثيرة ترصدهم الكاميرات غارقين في الضحك إزاء مشاهد أو اسكتشات تقلّدهم وتسخر منهم.

أين تختفي إذن تلك المسافة بين الواقع المر الذي يخلقه هؤلاء السياسيون وبين صورتهم التي تجتهد هذه البرامج في نشرها وتعميمها؟

هل من الممكن أن نتصور أن ذلك السياسي اللطيف الذي يكاد ينقلب على قفاه ضاحكاً يمكن أن يكون سارقاً وكاذباً وجلادا؟

تستعمل السخرية في الشاشات والمسارح العربية في تشكيل خطاب القاتل بصيغة مبهرجة ومخادعة فالقاتل يطل عبر بوابة السخرية بوجه الحمل. هكذا تتشارك السخرية المحرّفة عن هدفها في صناعة القمع، حيث أنها تصعب عمل الوعي والنظر وتخلق دونه حجاباً سميكاً من براءة الصورة الملطفة المزينة، فمن سيصدق أن ذلك السياسي الذي استضافه برنامج يسخر منه وتقبل الأمر بروح ما بعد رياضية يسكن صورة أخرى غير تلك الصورة؟

بقيت السخرية المحرفة خارج المحرمات في حين أنها أساساً مصممة لضربها، ولكنها تقوم بصناعتها وزيادة تمكينها.

الصورة التي ترسمها عن الوقائع والمشاكل لا تساهم في بلورة أي حل لها، لا بل إنها حتى لا ترصدها رصدا أمينا، وحتى التناول الكاريكاتوري المضخم لبعض الأمور نادراً ما يقترب من منطقة الأزمة. يكتفي بملامسة سطح الأمور والقول إن هذا السطح هو كل شيء.

الخطير في هذا السياق أنه يستبطن يأساً وإحساساً باللاجدوى من الشروع في أي عملية تغيير، لأن الجلاد والأنظمة القمعية لا تنجح في فرض سيطرتها على الشعوب ما لم تتواطأ معها هذه الشعوب، فقد بات من نافل القول إن الشعوب هي غالباً صانعة جلاديها بشكل أو بآخر، فما لم يستبطن الناس صورة الجلاد عن نفسه ويحولونها إلى سياق ثقافي خاص بهم ينظرون إلى العالم من خلاله فإن سيطرته عليهم ستكون مستحيلة. هنا يبدو القمع الوحشي والدموي والتعذيب والاعتقال والنفي أحد الوجوه الأكثر شيوعاً، ولكن صناعة صورة لطيفة محببة مقنعة تستبدل الخوف بالشعور بالذنب، ما ينقل المعركة ضد الظلم من الخارج إلى الداخل. الرعب المباشر مرئي وظاهر ومن الممكن ملاحظته واكتشافه دون الحاجة إلى تفعيل ملكات النقد والملاحظة، ولكن ماذا سنفعل إزاء قمع يرتدي صورة ملائكة ديمقراطيين معطرين لامعين؟ لم يعد الجلاد في زمن سيلان الصور الذي لا يتوقف يريد أن يكون بشعا. ليس مضطراً لذلك على الإطلاق فهناك آلات جماهيرية تقوم بملايين عمليات التجميل لصالحه في كل لحظة. نجاحه في تحويل مجرى السخرية التي طالما شكلت الوسيلة الأخطر للنضال ضده هو أقسى نجاحاته تأثيرا.

يروي جورج أورويل في قصة "قتل فيل" كيف أجبره حشد غاضب حين كان يعمل كضابط شرطة في بورما على قتل فيل خرج عن السيطرة رغما عنه " لم تكن عندي أدنى رغبة في قتله . قررت أنني سأراقبه لبعض الوقت لأتأكد أنه لن يتوحش ثانية وبعدها أن أعود إلى المنزل لكن في تلك اللحظة لمحت فيها الحشد الذي تبعني. كان حشداً هائلا، ألفان على الأقل وكان يزداد كل لحظة. فجأة أدركت أنه عليّ أن أقتل الفيل بالرغم من كل شيء. توقع الناس ذلك مني وكان عليّ أن أقوم بذلك، كان بمقدوري أن أشعر برغبة الألفين تضغطني إلى الأمام بشكل لا يقاوم.

أن آتي كل هذه المسافة والبندقية في يدي وألفا شخص يسيرون ورائي ثم أتصرف بعدها بشكل ضعيف، دون أن أفعل أي شيء – كلا، هذا مستحيل. سيضحك الناس عليّ. و كل حياتي، حياة كل رجل أبيض في الشرق، كانت صراعاً طويلاً كيلا يضحك علينا أحد".

قتل الفيل تجنباً للسقوط في بئر الضحك الذي يستطيع وحده في تلك الحالة هزيمة الرجل الأبيض. أورويل يعلن في نهاية القصة "تساءلت غالبا فيم لو أن أياً كان قد أدرك أنني قد فعلت ذلك فقط كيلا أبدو غبيا".

تحت سطوة الضحك المدمر لهيبة السلطة وقداستها لا يستطيع الطاغية سوى أن يقتل الفيل الخارج عن السيطرة رغما عنه، وبما أنه غالباً ما يتقمصه فإنه سيجد نفسه مجبرا على إطلاق النار على الفيل الهائج الذي يسكنه والعودة الى الواقع. تشيع البرامج الساخرة التي تغازل الأفيال الهائجة في حين أن السخرية الحقيقية التي تصيب ولا تهادن السلطات تمنع. برنامج باسم يوسف الذي منع يقدم مثالاً على ضحك لم يدجن ولم يدخل في لعبة تدعيم صورة السلطة وتقزيم فظاظتها، فكان أن ألبس ثوب الشيطان من قبل العسكر والإخوان على حد سواء. كل هذا لأنه تبنى عقل السخرية ودافع عنه ومارسه كنضال فعلي وجاد ضد تأليه السلطة.

الضحك الجاد يجبر السطات على خنق الفيل الهائج فيها، وكم يبدو صائبا ذلك القول الذي يوصِّف الديكتاتور بأنه ليس من يمنع الناس من الكلام بل من يشيع الثرثرة واللغو ويسمح بقول أي شيء. هذه هي المسافة بين ضحك يقتل الأفيال وضحك يخلقها.


ضحكة الديكتاتور


يطلق علينا الديكتاتور ضحكة صفراء يصفها نيتشه بأنها تعبر عن موقف يسود فيه التنافر بين الإنسان والعالم، وأنها ضحكة اليائس العاجز عن تحمل ذاته. تلك الضحكة تلبس في وسائل الإعلام ثوبا أيقونياً وتصبح إشارة تستحضر كل اللغط الدعائي والتسويقي الذي يرسم القاتل على هيئة قائد بطل ومخلص. تسعى ضحكة الديكتاتور إلى التخلص من الناس والى إلغائهم فهي على عكس كل معنى الضحك الفعلي الذي يربط بينه وبين مفهموم الإنساني ترسم مسافة التعالي وتحول توسيعها باستمرار.

هنا يمكن أن نفهم لماذا يضحك ديكتاتور مثل بشار الأسد. يضحك للتعبير عن امتلاء بفراغ يعتبره سلطة أبدية ونهائية. هل من دليل على ذلك أبرز من أن سوريا التي تمثل حضارة تمتد جذورها إلى آلاف السنين صارت في المعجم الذي تفرزه ضحكته الصفراء سوريا الأسد.

سوريا الأسد هي مقبرة جماعية فتحتها ضحكته الصفراء التي تحاول أن تدفن التاريخ والجغرافيا والأمل تحت ركام يأس الديكتاتور القاتل من نفسه ومن الوجود والذي لا يستطيع أن يترجمه سوى بالمجازر المتواصلة .

ضحكته التي تتقمص ظل "الأخ الاكبر" لجورج أورويل الذي يعرف كل شيء ويراقب كل شيء ويحدد مسار كل شيئ تهاجمنا عبر منصات إطلاق الصواريخ الإعلامية لتستحضر موتنا المستمر بوصفه مطلبا لنا وتفسره بأنه من أجله كان وفي سبيل بقائه سيستمر.

سوريا الأبد الأسدي التي تطل علينا من فوهة ضحكة الديكتاتور هي ذلك الضحك الذي يسعى إلى تأبيد الأفيال. لكن هناك ضحك آخر يطل على المكان وهو ضحك مجبول بشجاعة الخروج من زمن ضحك الديكتاتور .

هناك ضحك يستحضر أبدا جديدا ويرسم ملامحه بلحم الصبر السوري المعجون بالدم والدموع والكبرياء.

ألم تبدأ الثورة بضحك أطفال خربشوا على الحائط شعار الشعب يريد إسقاط النظام؟

ضحك الديكتاتور يؤبد الأفيال وضحك الأطفال يؤبد موتها.

11