مغالطات منطقية لدى الأصوليين.. افتعال العقلانية لتسويغ التطرف

الأساليب التي يستخدمها الأصوليون في تكريس خطابهم واستمالة الناس وتجييشهم ضد الأصوات المدنية والديمقراطية، تعتمد التلفيق والمغالطة والاستدلال الزائف ويتم ذلك عبر التنكر تحت قناع المنطق الشكلي والمحاججة العقيمة، لكن التحليل العلمي والجدلي لخطابهم سرعان ما يكشف زيف وهشاشة خطابهم.
الأربعاء 2017/10/25
جدل حين لا ينفع الجدل

يعتمد الخطاب الأصولي الإسلامي مجموعة من المغالطات المنطقية التي تستند على حجج ومعتقدات غير علمية، فيوظفها في سياق أنشطة الاستقطاب الأيديولوجي وغسيل الأدمغة، حيث تتم استمالة عقول الجمهور ومحاكاة انفعالاته العاطفية عبر أدوات التلاعب النفسي والاستدراج البلاغي والإغواء الديني. ولا يطمح الإسلام السياسي من وراء ذلك إلى تمرير أفكاره الأصولية فحسب، ولكن الهدف الأساسي هو السيطرة الفكرية الشاملة على المجتمع وتزييف وعيه الجمعي.

ولا يتكلف الخطاب الأصولي افتعالَ هذه المغالطات بل يستدعيها بتلقائية لأنها تشكل جزءا من بنية الفكر الأصولي نفسه، فالأصولية الدينية مغالطة فلسفية كبرى لأنها تستدل على صحة نفسها بنفسها، وعبر مقدمات هي أشد غموضا من نتائجها، ولذلك تعجز الأصولية عن إثبات أي من فرضياتها كأفضلية الماضي ونقاء التراث.

ومن مغالطات وألاعيب الخطاب الأصولي “المنزلق الخطِر” التي يلجأ فيها إلى الهروب من مناقشة القضية الأساسية عبر فبركة مجموعة من التداعيات الوهمية المسيئة والتشويهية مدعيا أنها ستترتب على تطبيق هذه المفاهيم على أرض الواقع. ويقابل هذه المغالطة في الفقه الإسلامي مفهوم “سد الذرائع” أي تحريم الأمر خوفا من مفاسد افتراضية ستحدث بوقوعه.

وأوضح مثال على هذه المغالطة ادعاء شيخ سلفي أمام المصلين أن تأسيس “الدولة المدنية” سيؤدي إلى أن “أمك لن تلبس الحجاب”، وأن “الليبرالية ضد الإسلام، ومعناها انعدام الرجولة والكسب غير المشروع”، فهذه التأويلات المزورة هدفها الحطّ من شأن المفاهيم العلمانية والعقلانية وتبشيع معناها في ذهن المتلقي، أي أن الصحوة الدينية، ومن خلال الغرس الثقافي والتكرار الدعائي المكثف، تقوم بتوظيف نظرية “التكييف الشَرْطي” في خلق ردة فعل سلبية ونفور نفسي واستياء وممانعة لدى الناس تجاه القيم المدنية والديمقراطية الحديثة عبر ربطها بمجموعة من “الانحطاطات الأخلاقية” التي يرفضونها.

ويلاحظ في زجّ لفظة “أمك” بكل فجاجة في الجدل محاولة لابتزاز المتلقي عاطفيا، واجتذاب تأييده بتحويل القضية إلى مسألة “شخصية” بالنسبة إليه، وهذه مغالطة أخرى تسمى التوسّل بالعاطفة أو تحريك المشاعر، وتشكّل عنصرا أساسيا في بنية الخطاب الأصولي يوظفه في التعبئة والتحريض عبر استثارة الانفعالات الإنسانية والتلاعب بها، وهي معتمدة بكثافة في الخطاب السياسي الإسلامي الشعبوي، فمن خلال إشعار المتلقي بالتقصير والذنب تجاه ما يتعرض له مسلمون حول العالم من انتهاكات على يد “قوى الكفر” يتم استدراجه للانضمام للتنظيمات الإرهابية وهو يشعر أنه يؤدي مهمة نبيلة في نصرة المظلومين.

الأصولية الدينية مغالطة فلسفية كبرى لأنها تستدل على صحة نفسها بنفسها، وعبر مقدمات هي أشد غموضا من نتائجها

شخصنة وابتزاز عاطفي

كما لجأ الشيخ نفسه، بعد ربطه بين الليبرالية وانعدام الرجولة، إلى مهاجمة سياسي ليبرالي بالقول إن ابنته “متزوجة من نصراني كافر”، في محاولة للتهرب من مناقشة مفهوم الليبرالية عبر تشويه صورة دعاتها وتسقيطهم دينيا واجتماعيا، وهذه المغالطة تسمى “الشخصنة” وتعني التغطية على عجزك عن مناقشة حجج خصمك بالإساءة لشخصه والانتقاص منه أو من أسرته.

ومن مغالطات الأصوليين الادعاء أن العلمانية ضارة ومدمرة بحجة وجود أنظمة علمانية استبدادية وشمولية، وهي مغالطة مزدوجة تجمع بين مغالطتي “التعميم” و”عدم الترابط”، إذ تفترض أن الخلل في بعض تطبيقات فكرة ما يعني خللا في الفكرة نفسها وفي كل تطبيقاتها، وهو منطق يتجاهل التجارب العلمانية الناجحة في العديد من الدول الديمقراطية وما يقابلها من تجارب فاشلة لحكم الإسلام السياسي.

ويستعمل الإسلاميون باطراد مغالطة “التعليل الخاطئ”، مثل الزعم أن الذنوب تتسبب في خراب الدول دون تحديد ما معنى “الذنوب”، وهل هي الخيارات الشخصية التي لا تقرها المؤسسة الدينية، أم هي المساوئ السلوكية كالرشوة والكذب والكراهية والتطرف؛ وهي آثام أخلاقية لا يعترف الخطاب الأصولي بأنها بذاتها تشكّل مقدمات وأسبابا لخراب المجتمعات وإنما يعتبرها نتائج لما يراه “ذنوبا دينية” مثل ترك الصلاة أو شرب الكحول، و”ذنوبا سياسية” مثل عدم التصويت للأحزاب الإسلامية.

ومن أمثلة التعسف الأصولي في الربط السببي بين القضايا، الادعاءُ أن انتشار الحجاب أو الحضور بكثافة لصلاة الفجر سيؤدي لتحرير فلسطين. وفي هذا السياق تأتي مغالطة “المقامرة” وتتمثل في اختلاق الأصوليين علاقة سببية بين التدين والتقدم الاجتماعي، ولكن عقودا من التبشير الديني، تراجعت خلالها المنظومة القيمية للمجتمع وانتشر التطرف، أثبتت أن التعويل على الصحوة الدينية كان مقامرة أيديولوجية غير محسوبة النتائج، بالضبط كما كان حكم الإسلام السياسي للعراق وغزة ومصر مقامرة سياسية كارثية.

ويستخدم الخطاب الأصولي التكفير كفزاعة ضد خصومه، في سياق مغالطة “التحريف” التي تقوم على تزييف كلام الخصم وتحميله حمولات وتأويلات سلبية منتحلة لترهيبه وتحريض الجمهور عليه، فإذا طالب العلمانيون بالفصل بين الدين والسياسة يعمد الإسلاميون إلى تشويه هذا المطلب والزعم أن العلمانيين يسعون لإقصاء الإسلام واضطهاد المسلمين وبالتالي هم “كفار” يحاربون الدين و”مستبدون” يعادون الحريات الدينية.

التصدي للنقد بالنقد

يحاول الخطاب الأصولي دائما تحصين وحماية الذات الأيديولوجية الإسلامية من النقد عبر الهجوم المقابل وتوجيه سهام النقد للآخرين، في إطار مغالطة “التصدي للنقد بالنقد”، فعندما يقول سياسيون وحكومات إن الفكر الديني هو سبب التطرف والإرهاب، يرد الأصوليون بأن التهميش السياسي هو الذي يصنع التطرف في محاولة لإلقاء الكرة في ملعب الخصم.

عقليات أدارت ظهرها للمنطق

كما تشكّل مغالطة “وأنتم كذلك” مظلة للفساد والطائفية حيث تبرر أحزاب إسلامية فسادها بفساد الأحزاب المنافسة لها، ويبرر طائفيون طائفيتهم بطائفية خصومهم، ويرد الآخرون بالمنطق نفسه، فتكون الرسالة “القيمية” التي تبعثها جميع أطراف الصراع السياسي إلى المجتمع هي أن مشروعية الأفعال تُستمد من شيوعها وانتشارها لا من شرعيتها الذاتية؛ القانونية والأخلاقية.

ومن مخاتلات الإسلاميين ادعاؤهم أن الأهمية التي يتمتع بها الدين في حياة مجتمع ما تسوّغ لهم توظيفه سياسيا وتأسيس أحزاب على أساس ديني. وهي مغالطة صارخة لأن أهمية الخصوصيات الدينية في حياة الأفراد تستوجب تحصينها ضد الاستغلال السياسي وليس انتهاك حرمتها بزجّها في التنافس على السلطة والصراعات الحزبية.

ويندرج هذا المنطق المغلوط ضمن محاججة “الاحتكام للطبيعة” التي يوظفها الخطاب الأصولي في تدعيم مواقفه الأيديولوجية؛ حيث يرى أن كون الدين جزءا من “طبيعة” الإنسان فهذا يبرر تسييسه، ويرفض المساواة بين الذكر والأنثى بحجة الفروق البيولوجية “الطبيعية” بينهما، ويقرّر أن ظهور اللحية بصورة “طبيعية” إنما يؤكد حرمة حلقها، وأن الناس ملزمون باتباع الإسلام السياسي لأن الإسلام دين الفطرة أي “الطبيعة السليمة”، وأن انحياز الإنسان لهويته الطائفية على حساب الآخرين مقبول لأنه سلوك “طبيعي” يعبّر عن حماية الذات، وأن الإرهاب مبرَّر لأنه رد فعل “طبيعي” على الظلم.

لكن السؤال الذي يثيره الفلاسفة حول هذه المغالطة: هل كل معطى أو سلوك نعتبره “طبيعيا” هو بالضرورة أخلاقي أو عقلاني أو مُلزم لنا؟ وما معايير التمييز بين “الطبيعي” وغيره؟ إذ يرى نقّادها أن نزوعنا لارتكاب الشر والأخطاء قد يعتبر جزءا من الطبيعة البشرية لكنه يظل مدانا وغير مبرر. كما أن الاستسلام لإكراهات الطبيعة يعني العجز عن إنتاج منظومات قيمية وقانونية لمعاكستها وترويضها، وبالتالي يناقض الخطاب الأصولي نفسه وتتجلى ازدواجيته عندما ينادي بكبح جماح الطبيعة الإنسانية والاجتماعية وإخضاعها للدين من جهة، وبالامتثال لإملاءاتها بإذعان وسلبية تامّين من جهة ثانية.

إن ما تقوم به الأصولية الإسلامية هو إضفاء شرعية دينية مختلقة على نزعة الانحراف والعدوان لدى الفرد بعد تنشيطها أيديولوجيا وسلوكيا، لذلك لا يُستغرب أن الكثير من المنتمين لداعش كانت لديهم سوابق أو ميول إجرامية قبل التدين والالتحاق بالتنظيم.

ويعمد العقل الأصولي إلى تبرير سياساته ودحض غيرها من خلال مغالطة “الواقعية”، فيبرر الانقسام الطائفي بحجة أن المجتمع في واقعه متنوع أصلا ويتألف من “طوائف”، ويبرر المحاصصة وآثارها التقسيمية المدمرة بدعوى أن الانقسام هو الواقع السائد، في سياق عملية “تطبيع″ لسياسات الإسلاميين وتكييف للوعي الجمعي معها بزعم أنها تستجيب لإكراهات الواقع، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون القبول بالواقع عندما يتعارض مع مشروع الأسلمة، فهم يكافحون الاختلاط بين الجنسين على الرغم من أنه جزء من واقع المجتمعات.

كما يرفض إسلاميو المحاصصة الطائفية مبدأ المواطنة بدعوى أنه غير واقعي لأن الخصوم الآخرين لا يريدونه أو لأن المجتمع غير مؤهل له، أي أن صواب أو خطأ فكرة ما لا ينبع لديهم من الفكرة ذاتها وجدواها وإنما من نظرتهم المصلحية وتكتيكاتهم الصراعية المرتبطة بها.

وبهدف التضييق والمزايدة على الخصوم يلجأ الخطاب الأصولي إلى مغالطة “السؤال الملغوم”، وأوضح مثال عليها الشعار المتهافت الذي رفعته بعض التظاهرات الإسلامية المناوئة للتيارالعلماني والداعية لحكم الشريعة، إذ جاء فيه: “ماذا رأيتم منا لله حتى تكرهوا شريعته؟”، فهو سؤال ملغوم بالتكفير والتحريض الضمني ضد منافسي الإسلاميين واستعداء الجمهور عليهم، كما يشتمل على مغالطة استجداء التعاطف الشعبي مع الإسلام السياسي، وكذلك الابتزاز الديني والسياسي للمخالفين.

مصطلحات مفخخة

يشمل الخطاب الأصولي الملغوم أيضا توظيف مصطلحات مفخخة لفظيا مثل “الحرية المنضبطة” و”الفن الملتزم” و”الإعلام الهادف”، فجميعها لا يمكن رفضها ولكن في الوقت نفسه لا يمكن القبول بها؛ لأنها تنطلق ضمنيا من فكرة “سد الذرائع″ التحريمية التي تعتبر أن إطلاق الحريات الشخصية والثقافية والتعبيرية والفنية سيفضي إلى الانفلات والخطيئة ويكون ذريعة للانحلال والفساد.

ما تقوم به الأصولية الإسلامية هو إضفاء شرعية دينية مختلقة على نزعة الانحراف والعدوان لدى الفرد بعد تنشيطها أيديولوجيا وسلوكيا

هذه المصطلحات التعبوية التي تبدو رصينة المبنى وبليغة المعنى، مثل “الحرية المنضبطة” و”الفن النظيف”، والتي تضع على المفاهيم كوابح، إنما تهدف إلى قمع الحريات وتخويف الجمهور من آثارها، في سياق عملية الاستلاب الثقافي التي يتعرض لها المجتمع على يد الأصولية الدينية.

كما يستند الخطاب الأصولي إلى مغالطة “المصدرية” أو “الاحتكام للجينات” في مواجهة الأفكار التي يعاديها، فيزعم مثلا أن العلمانية لا تصلح لمجتمعاتنا لأسباب “وراثية” كون جذورها نشأت في “الغرب الملحد” أو أن الديمقراطية لا خير فيها لأن مصدرها هو “مجتمعات الانحلال الأخلاقي” وبالتالي هي تهدد قيمنا؛ أي رفض الأفكار عبر الطعن في “مصدرها” أو استدعاء صورة نمطية مزيفة عن بيئة ما لتسويغ نبذ كل ما يصدر منها أو ينشأ عنها.

وتتبع الأصولية نهج الغموض الاستراتيجي على المستويات الفكرية والسياسية، وينعكس ذلك في مغالطة “المعاني الملتبسة” التي تظهر في تعابير أصولية مبهمة مثل “دولة مدنية بمرجعية إسلامية” و”الفصل بين الدعوي والسياسي”، حيث تقبع جذور هذا المنطق في بنية الفكر الأصولي الضبابي الذي يحتكر تأويل النص المقدس لصالح السلطة الدينية، والتي تستثمر بدورها في السيولة الدلالية للنصوص وتستمد شرعيتها من احتكار تفسيرها، فتدّعي أن التطرف الداعشي هو نتاج خلل في تأويل التراث سببه التمرد على المؤسسة الفقهية، كما ترفض تلك السلطة محاولات الإصلاح بحجة أن أصحابها لا يتمتعون بالمؤهلات التي لدى “العلماء” و”المرجعيات”، وبذلك تحافظ على أسرار القلعة الأصولية وألغازها.

ويتمسك التيار الإسلامي بمغالطة “الجماهيرية” أي الحكم على صواب فكرة ما بالاستناد إلى مدى انتشارها، حيث يعتقد أن رأي “الجماعة” أو “الأمة” يمثل الصحّة والرشد بغض النظر عن محتواه، وأن كون غالبية سكان مجتمع من المسلمين يعطي شرعية للمطالبة بحكم إسلامي.

ولهذه المغالطة أرضية أيديولوجية فالجماعة هي وثن الأصولية، والإسلاميون يزدرون الفردية، ويعتبرون الاختلاف مروقا والتنوع فُرقة، ويُعلون من شأن الإجماع والتجانس والانسجام، فقرارات الجماعة هي عندهم أكثر صوابا وحكمة بصورة مطلقة من خيارات الفرد.

ويعد موضوع الإعجاز العلمي في النص الديني ميدانا تتشابك فيه مغالطات الخطاب الأصولي، مثل مغالطة “الانتقائية”؛ حيث يتجاهل المتكلم في الإعجاز عن عمد المعلومات التي لا تدعم وجهة نظره ويبرز فقط الأفكار التي تخدم فرضيات التطابق بين النص الديني والنظرية العلمية..

ويوظف الخطاب الأصولي مغالطة “المرافعة الخاصة” أو”الاحتكام للاستثناء” في تمرير مشروعه انطلاقا من فرضية أن “الإسلام دين استثنائي”، وبالتالي هو لا يخضع لشروط التاريخ والجغرافيا والثقافة والبيئة، فيستطيع هذا الخطاب أن يعيق نقد أطروحاته بحجة أنها تمثل استثنائية وتميّز الإسلام الذي لا يمكن مقارنته بغيره من الأديان، إذ من خلال استدعاء “تفوق الإسلام” يتهرب الأصوليون من السجال المتكافئ مع خصومهم.

13