مغامرات التصويت التكتيكي في الانتخابات البريطانية

المشكلة في التصويت العقابي أنه قد يؤدي إلى برلمان دون أكثرية وحكومة ائتلافية شبه معطلة؛ ولن تنتهي أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي بمثل هذا البرلمان وهذه الحكومة.
الثلاثاء 2019/11/26
هزيمة الحزب الحاكم في إنكلترا تبدو أكثر صعوبة أمام التصويت التكتيكي

تقول دراسة حديثة إن أربعة وعشرين بالمئة من البريطانيين سيلجأون للتصويت التكتيكي في الانتخابات العامة الشهر المقبل. مقارنة بعشرين بالمئة استخدموه في انتخابات 2017. الهدف هو ذاته في المرتين، تعزيز جبهة المؤيدين للخروج أو البقاء في البرلمان. بغض النظر عمّن سيقود هذه الجبهة أو تلك.

التصويت التكتيكي هو أن يقدم الناخب صوته لمرشح من غير حزبه، من أجل تقليص فرص فوز مرشح آخر يمثل اتجاها معارضا للناخب. وهذا يعني أن المؤيدين للخروج في بعض المناطق سيصوتون للمرشح المؤيد له بغض النظر عن حزبه، والمؤيدون للبقاء سيفعلون الشيء ذاته بمناطق أخرى.

التصويت التكتيكي ليس أسلوبا ولد في بريطانيا مع أزمة “بريكست”. عرفته البلاد منذ عقود، وقد بلغ أوجه في الانتخابات التي أوصلت الزعيم العمالي توني بلير إلى رئاسة الوزراء عام 1997. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الأسلوب يساهم في نتائج كل انتخابات برلمانية بنسبة تختلف من دورة إلى أخرى.

العمال حثوا الناخبين على استخدامه عام 2017. لم يحقق لهم الفوز، ولكنه كان سببا في خسارة المحافظين للأكثرية البرلمانية، التي كانت تتيح لهم تمرير أي قرار أو تشريع بمفردهم. وهذه الخسارة هي التي أفشلت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي في الخروج، وأوصلت البلاد لانتخابات 2019 المبكرة.

جغرافيا يمكن أن يتركز التصويت التكتيكي في إنكلترا وأيرلندا الشمالية أكثر من ويلز وأسكتلندا. فغالبية الدوائر الخلافية بين حزبي العمال والمحافظين حول الخروج تتركز في إنكلترا، أما دوائر أيرلندا الشمالية فيتقاسمها حزبا الوحدوي الأيرلندي المؤيد للخروج، وشين فين المؤيد للبقاء.

لا يؤيد الحزب الوحدوي الأيرلندي صفقة بوريس جونسون للخروج، ولم يؤيد قبلها صفقة خلفه تيريزا ماي. ولكن الحزب صوت لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء التاريخي عام 2016، وسوف يصوت لصالحه مرة أخرى إذا ما أجري استفتاء ثان عليه، كما تقول رئيسة الحزب آلين فوستر.

في مقابل موقف الحزب الوحدوي، كان لا بد لأحزاب مثل الخضر والليبراليين الديمقراطيين، المؤيدين للبقاء، طرحُ مرشحيها في دوائر هذا الحزب وليس لدى خصمه المؤيد للبقاء شين فين. كذلك فعلت هذه الأحزاب في الدوائر التي يتمتع حزب المحافظين بحضور تاريخي فيها على امتداد أسكتلندا.

هزيمة الحزب الحاكم في إنكلترا تبدو أكثر صعوبة أمام التصويت التكتيكي. فالمناطق التي تؤيد الخروج لن تفاضل بين مرشح المحافظين ومرشح أي حزب آخر، خاصة أن حزب “البريكست” الذي يريد الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، قرر أن يخلي الساحة للمحافظين في دوائرهم الانتخابية.

حزب البريكست قرر منافسة العمال والخضر والليبراليين الديمقراطيين وجميع الأحزاب المؤيدة للبقاء في دوائرهم، فأتاح الفرصة لأنصار هذه الأحزاب الراغبين في الخروج، بالتصويت تكتيكيا لغير حزبهم في معاقله. ربما لن يشكل هذا الحزب عبئا على الخضر والليبراليين، ولكنه يمكن أن يزعج العمال.

المنافسون لحزب العمال في معسكر البقاء أكثر من منافسي المحافظين في الخروج. الخضر والليبراليون الديمقراطيون والقوميون الأسكتلنديون وشين فين، جميعهم يعلنون موقفا واضحا في إلغاء الخروج. في حين يقف العمال حائرين بين خروج عادل لا أحد يعرف ملامحه، وبقاء يقترع عليه البريطانيون في استفتاء جديد.

حالة اللاقرار التي يمارسها العمال في ملف الخروج، قد تدفع ببعض دوائر الحزب المؤيدة للخروج إلى التصويت تكتيكيا لصالح المحافظين أو البريكستيين. وهو ما يراهن عليه المحافظون منذ أن دعوا إلى الانتخابات المبكرة. وتشاركهم في تفاؤلهم هذا، بعض استطلاعات الرأي، التي تتوقع فوز المحافظين على العمال.

ربما يفاجئ التصويت التكتيكي البريطانيين في بعض الدوائر التي اعتادوا توقع الحزب الفائز فيها قبل فرز الأصوات. ولكن استطلاعات الرأي تقول إنه من الصعب أن يغير هذا التصويت من النتيجة النهائية التي تتوقعها للاستحقاق المقبل. وهي أن يفوز حزب المحافظين على العمال بفارق يزيد على خمسة عشر بالمئة.

يصعب الرهان أيضا على توقعات استطلاعات الرأي التي خذلت البريطانيين في عام 2016. فقد بشرت هذه الاستطلاعات أشهرا بفوز البقائيين على أنصار الخروج قبل موعد الاستفتاء المصيري حينها، ولكن النتيجة جاءت بفوز مؤيدي طلاق لندن وبروكسل بنسبة اثنين وخمسين بالمئة تقريبا مقابل ثمانية وأربعين بالمئة.

بضعة أسابيع تفصلنا عن الانتخابات في الثاني عشر من ديسمبر المقبل. لن تكون المرة الأولى التي يلجأ البريطانيون فيها إلى التصويت التكتيكي لتغليب موقف سياسي على آخر. ولكنها ربما تكون سابقة في استخدام هذا التصويت على سبيل العقوبة للأحزاب التقليدية الكبرى، وبخاصة العمال والمحافظين.

ثمة فئة من البريطانيين غاضبة من السجال العقيم، الذي يدور تحت قبة البرلمان حول الخروج منذ أكثر من ثلاث سنوات. هؤلاء يشعرون بأن المصلحة الحزبية تغلبت على الوطنية في حزبي العمال والمحافظين. وبالتالي قد يمارسون التصويت التكتيكي كإجراء عقابي للحزبين ردا على أزمة الخروج التي تعيشها البلاد.

المشكلة في التصويت العقابي أنه قد يؤدي إلى برلمان دون أكثرية، وحكومة ائتلافية شبه معطلة؛ ولن تنتهي أزمة الخروج بمثل هذا البرلمان وهذه الحكومة، وإنما ستكبر ككرة الثلج لتبتلع ما تبقى من فرص المملكة المتحدة في استعادة عافيتها، سواء كخامس اقتصاد في العالم، أو كثاني اقتصاد بين دول الاتحاد الأوروبي.

9