مغامرة السينما الجديدة في مهرجان لندن السينمائي

"المذنب" نموذج لفيلم الحجرة الذي يتجاوز حدودها والمخرج الشاب غوستاف موللر يتلاعب بالتقاليد الراسخة لأفلام الإثارة البوليسية.
السبت 2018/10/13
زاوية واحدة لأكثر من حدث

يتميز مهرجان لندن السينمائي بجمهوره الغفير الذي يقبل على العروض اليومية للأفلام التي تمثل ثقافات واتجاهات سينمائية مختلفة، ورغم العدد الكبير نسبيا من الأفلام التي تعرض، هناك دائما ما يكمن في برامجه وأقسامه المختلفة من اكتشافات، كما هو الحال بالنسبة للدورة الحالية الـ62 من المهرجان العريق.

لندن - من أفضل ما يعرض من أفلام في مسابقة الأفلام الأولى لمخرجيها بمهرجان لندن السينمائي الذي يتواصل حتى الـ21 من أكتوبر الجاري، الفيلم الدنماركي “المذنب The Guilty” للمخرج الشاب غوستاف موللر (30 سنة) الذي ولد في السويد ويقيم في الدنمارك، وهو عمل متميز فنيا، يثبت مجددا، أن الإبداع السينمائي لا ينضب، وأن القيمة الفنية تكمن أساسا في الأسلوب والقدرة على الابتكار في الموضوع وفي طريقة السرد، إننا إزاء مخرج يمارس ما يمكن أن نطلق عليه “التجريب داخل النوع”، أي التلاعب بالتقاليد الراسخة لفيلم الإثارة البوليسية.

وفي الفيلم ثلاثة من عناصر الفيلم البوليسي: جريمة، شرطة، الغموض الدافع إلى الجريمة ومكان وقوعها، نحن لا نشاهد الجريمة نفسها، ولا مكانها ولا مرتكبها، فالفيلم يدور من زاوية واحدة فقط، هي زاوية ضابط الشرطة “أسغر هولم”.

هولم لم يعد شرطيا يقوم بأعمال الدورية في شوارع كوبنهاغن كما اعتاد مع زميله “رشيد”، بل خفضت رتبته مؤخرا ونقل للعمل داخل إدارة الشرطة في خدمة الطوارئ للرد على استغاثات المواطنين التليفونية.

جرأة التناول

يكمن التحدي الأول في الفيلم أنه ينحصر في شخصية ضابط الشرطة هولم، وثانيا في تحديد المكان الذي لا يغادره الفيلم أبدا، في غرفة أو غرفتين داخل قسم الطوارئ.

كل علاقة الضابط هولم بالعالم الخارجي تتحدد من خلال ثلاثة أشياء: التليفون وسماعة يستخدمها في الإنصات للمتصلين، وشاشة جهاز كومبيوتر تتيح له القدرة على تتبع واقتفاء مكان صدور المكالمات، كما يمكنه التوصل إلى معلومات عن أصحابها من خلال أرقام هواتفهم، وتحديد أقرب سيارات لدوريات الشرطة التي تجوب الشوارع.

تحدي الفيلم ينحصر في شخصية ضابط الشرطة هولم، والمكان الذي لا تغادره الكاميرا أبدا، في غرفة داخل قسم الطوارئ

ومن الناحية الفنية يكمن التحدي الأساسي في اعتماد الفيلم على ممثل واحد يقوم بدور الضابط، ألا وهو الممثل الدنماركي جاكوب سيدرغرين الذي يظهر في معظم لقطات الفيلم، وهي لقطات قريبة أو متوسطة، تحصره داخل الكادر وتكشف انفعالاته، كما تشي بحالته النفسية المضطربة.

فالفيلم يشير في البداية إلى أنه ارتكب خطأ ما أثناء عمله كشرطي يتعامل مع الشارع، لكننا لا نعرف طبيعة الخطأ إلاّ بعد مرور زمن طويل من بدء أحداث الفيلم الذي يقع في 85 دقيقة فقط (الزمن الطبيعي لوقوع الأحداث وهو التحدي الثاني الكبير)، لكن مخرجه الشاب غوستاف موللر، يتمكن من القبض على إيقاعه بحيث يتيح للمشاهد متابعة تطور الأحداث دون أدنى شعور بالتشتت بسبب التركيز والاقتصاد في السرد، وبراعة السيناريو في الكشف التدريجي عن تفاصيل الحبكة قبل أن ينحرف فجأة بعيدا عمّا نتوقعه وما نراه عادة في أفلام الجريمة.

محاولات الإنقاذ

عبر التليفون يستقبل هولم مكالمة من امرأة تدعى “إبين” لا نراها طوال الفيلم لكننا نسمع صوتها بين حين وآخر، وهي امرأة متزوجة ولديها طفلان، تستغيث بالشرطة لإنقاذها من زوجها الذي تقول إنه اختطفها، وإنها تتحدث الآن من داخل السيارة التي يقودها الزوج في طريقه إلى وجهة غير معروفة وقد تركت وراءها طفليها.

إنها حالة إنسانية خطيرة تستدعي كل ما لدى هولم من قدرة على التعامل مع آليات الإنقاذ من خلال التليفون وجهاز الكومبيوتر: إنه يحاول أولا أن يعرف مكان السيارة التي تتحرك، وعندما يرصد المكان، يتصل بمركز شرطة قريب ويطلب أن تخرج سيارة شرطة لتعقب سيارة الخاطف، ثم يتمكن من تحديد رقم الهاتف المتحرك الذي تتصل منه المرأة ويعثر على اسمها، كما ينجح بعد ذلك عندما تعاود الاتصال به، في جعلها تملي عليه رقم هاتف منزلها، ليتصل بالمنزل ويتحدث مع ابنتها الصغيرة إلى أن يكسب ثقتها، ويعرف أن شقيقها الرضيع في غرفة

أخرى، وأن والدها قد أخذ أمها وخرج ولا تعلم أين ذهبا، لكنها تكرر أنها لا تريد أن تفقد أمها، يعرف منها هولم اسم والدها ورقم تليفون المنزل الذي انتقل إليه بعد انفصاله عن أمها.

وتستمر محاولات الضابط وتمتد حتى بعد أن ينتهي يوم عمله، فهو يصر على مواصلة محاولاته إنقاذ إبين وسط دهشة زملائه، بل إن رئيسه في العمل يطلب منه الذهاب ليستريح في منزله لأنه سيمثل في الغد أمام لجنة تحقيق رسمية تتحرى في الحادثة التي تورط فيها وأطلق النار على أحد المشتبهين فقتله.

يتصل هولم بزميله رشيد الذي ينتظر أن يشهد في الغد لصالحه، لكننا سنعرف بعد قليل أن رشيد اتفق معه ومع محاميه على أن يدلي بشهادة تخالف الحقيقة لصالحه، كما نعرف أن زوجة هولم هجرت بيت الزوجية، إنه يبدو مدفوعا بالرغبة في استرداد مكانته كضابط شرطة وليس مجرد شرطي يستقبل مكالمات الاستغاثة.

هولم يقبض على اللحظة، يتجاوز سلطاته ووظيفته ويتورط في التعامل بنفسه مع المرأة، ويتجاوز القانون عندما يوجه زميله رشيد لاقتحام منزل الرجل المشكوك في أمره والعثور على أي شيء يمكن أن يدينه.

إصرار هولم على النجاح في عملية الإنقاذ تكمن وراءه أيضا رغبة في التطهر، في التكفير عن الذنب.. لكن أمامه مفاجأة ستقلب كل حساباته كما تقلب توقعات المتفرج أيضا رأسا على عقب.

يعتمد أسلوب الإخراج على التصوير المحكم داخل مقر الشرطة مع إضاءة خافتة، وتوزيع الكتل بحيث تعكس حالة الهلع وفوبيا الأماكن المغلقة، مع حركة محدودة للكاميرا

هذه مفاجأة الفيلم ومن الأفضل عدم حرقها هنا، أما الخيط الآخر المعاكس الذي يدخلنا إليه الفيلم فسينعكس أيضا على نفسية هولم بعد أن تنتهي ثقته المفرطة بنفسه إلى ما يكاد يشبه الكارثة الإنسانية، وهي نهاية تجعله ينتهي إلى ضرورة أن يدفع ثمن الخطأ الذي وقع فيه.

يعتمد أسلوب الإخراج على التصوير المحكم داخل مقر الشرطة مع إضاءة خافتة، وتوزيع الكتل بحيث تعكس حالة الهلع وفوبيا الأماكن المغلقة، مع حركة محدودة للكاميرا، وغياب تام للموسيقى، والاستعانة بشريط صوت شديد الحيوية: أصوات رنين الهاتف وأصوات المتحدثين على الطرف الآخر وأصوات آلات التنبيه في سيارات الشرطة التي نسمعها عبر التليفون أيضا.. بحيث يمكن أن نعرف بالتفصيل ما يحدث على الطرف الآخر، في الخارج.

وبعد نهاية نوبة العمل النهارية ينتقل هولم إلى غرفة مغلقة داخل مقر الشرطة، بعيدا عن عيون زملائه، يسدل ستائرها وينفرد بالتليفون ويطلب من مركز الشرطة القريب من منزل إبين إرسال شرطية وشرطي لرعاية الطفلين اللذين تركتهما المرأة وراءها، ويواصل الاتصال بهما لمعرفة ما يجري داخل المنزل لكي يكشف لنا الفيلم مفاجأة ترفع من التوتر كما تزيد من شعور هولم بالذنب بعد أن تقضي على ثقته المفرطة ويقينه الزائف بقدرته، ورغم ذلك سيتمكن من تحقيق شيء يجعله يصبح بطلا في عيون زملائه رغم شعوره العكسي.

إلى جانب براعة السيناريو وتركيزه وقدرة المخرج على الإحساس بضيق المكان ونقل هذا الإحساس بالاختناق إلينا، فالعنصر الآخر الذي يرتقي بهذا الفيلم هو الأداء التمثيلي.

ففي الدور الرئيسي يؤدي الممثل جاكوب سيدرغرين مثل أي ممثل كبير في هوليوود، يعبر بنظرات عينيه وحركات جسده، عن الانتباه الشديد ثم التوتر ثم الإحباط الذي يقوده لتحطيم جهاز التليفون في ثورة غضبه.

في البداية يتعامل ببراعة وإقناع مع الطفلة الصغيرة، ثم يتمكن من إقناع إبين بعدم استفزاز زوجها الذي يخشى أن يكون مجرد قاتل سادي خطير، ويعتمد أداء الممثل أيضا على إجادة التعبير بالصوت والتلاعب به بحيث يمنحنا الشعور بالانفعال معه، نمر معه بمشاعر القلق والتوتر والهياج العصبي ثم السيطرة على النفس ومحاولة السيطرة بصوته على الطرف الآخر وتطويعه.

وفي الوقت نفسه يكشف سلوك هولم عن حالته النفسية المضطربة، التي تنعكس أيضا من خلال نظرات زملائه المتشككة إليه، دون حاجة لاستخدام لقطات من الماضي، فقد اختار المخرج المحافظة على وحدتي الزمان والمكان، ربما توجد عناصر في الحبكة تذكرنا ببعض أفلام هيتشكوك، إلاّ أن “المذنب” يظل فيلما شديد الخصوصية والتميز.

قضى المخرج غوستاف موللر مع كاتب السيناريو إميل ألبرتسون، عدة أشهر، يراقبان العمل يوميا داخل قسم الطوارئ بأحد مراكز الشرطة في العاصمة الدنماركية إلى أن تمكنا من كتابة سيناريو الفيلم بحيث يأتي من حيث الحوار والحركة مطابقا للواقع، وهو ما نجحا فيه دون شك.

13