مغامرة بصرية تشرّح نسيج المجتمع المصري

"سكون الجسد" الرسم والفوتوغرافيا و"البودي آرت" في حوارات لونية جريئة من خلال خمسين لوحة مركّبة لإشراقات الجسد، تجمع بين الرسم الزخرفي والحروفي.
الجمعة 2019/01/18
انسيابية الحركة تتحدى السكون

الجسد هو عنوان التحرر والمغامرة، وإطلاق سراحه يعني الانفلات من القيود والرؤى الحاكمة، ولم يعد فن الجسد أو “البودي آرت” مجرد تمثيل فيزيائي مبسّط للإنسان الذي يجري التعاطي مع جسده بالوشم والخدش والزخرفة وغير ذلك من المؤثرات البصرية في عروض حية مباشرة، فقد تطور هذا الفن التاريخي ليصير معبرا إلى دلالات أعمق تتكشف من خلالها طبقات الوعي والذاكرة والذائقة، وجينات الهوية الشعبية، والمقومات المجتمعية المختلفة.

القاهرة - مساحات الجسد، بلغة الفن، هي خرائط لا نهائية تفكك النسق وتستوعب الكثير من التجريب والتجريد، وفي مغامرة بصرية بعنوان “سكون الجسد” امتزجت فيها فنون الرسم والفوتوغرافيا و”البودي آرت” (فن الجسد)، قدّم الفنانان المصريان أشرف رضا وأيمن لطفي تشكيلات مشتركة تحاورت فيها الألوان والزخارف والأضواء، كاشفة عن الموروث الشعبي، ومشرّحة نسيج المجتمع المصري بجرأة صادمة.

حرّر الرسام أشرف رضا والفوتوغرافي أيمن لطفي فن الجسد من أطره التقليدية في معرضهما الأخير بقاعة “الزمالك للفن” في القاهرة والمعنون بـ”سكون الجسد”، حيث أطلقا العنان لفضاءات الجسد لتتسع لحوارات مبتكرة فائقة التطور بين الفنون والوسائط التشكيلية المختلفة.

وجاء معرض “سكون الجسد” حاملا ثورة الجسد وجموح الروح الوثّابة وطموح الفن في آن واحد، من خلال خمسين لوحة مركّبة لإشراقات الجسد، تجمع بين الرسم الزخرفي والحروفي لأشرف رضا الأستاذ بقسم الديكور بكلية الفنون الجميلة، وتجليات الفوتوغرافيا للمصوّر الشهير أيمن لطفي.

تناغم هندسي ورؤية تخييلية شاملة
تناغم هندسي ورؤية تخييلية شاملة

اندمجت الرسوم والصور الفوتوغرافية في تناغم هندسي ورؤية تخييلية شاملة وحّدت التجربتين المتحاورتين المتجاورتين، واستعان الفنانان بتقنيات الغرافيك والبرمجيات الحديثة لصهر الحروف والزخارف والصور في توليفة متجانسة أثبتت أن الإبداع هو أفق المزاوجة بين التخييل والصناعة، والإنتاج المستمر على غير قواعد مسبقة صارمة.

من فردانية الرؤية الفنية لدى كل فنان، ومن خصوصية الحالة الشخصية لكل جسد جرى تصويره بالألوان وبعيون الكاميرا، اتجه معرض “سكون الجسد” إلى توسعة نظرته لتكون إطلالة على الوجدان الجمعي، فأنسجة الجسد التي تشرّحها الأعمال فنيا، هي النسيج المجتمعي الأعمّ.

واستغرق الفنانان في عملهما المشترك قرابة أربع سنوات كاملة، حيث التقت النزعة التجريدية لدى أشرف رضا في رسومه الزخرفية والحروفية الهادفة إلى تأكيد الهوية المصرية واستلهام الموروث الشعبي، والنزعة التجريبية لدى أيمن لطفي في صوره الفوتوغرافية الرامية إلى سرد التجارب الإنسانية والأحداث الاجتماعية بأسلوب حكائي يتخطى الرصد والتسجيل معيدا صياغة المفاهيم والعلاقات.

ومن أبرز سمات المعرض، القدرة على تحقيق الإبهار اللحظي وفتح نوافذ التأمل من خلال ملامح الحداثة المهيمنة، التي لا تنقطع جذورها بالماضي، بل تمتد بعيدا في أعماق التربة المحلية.

تجلى ذلك في انسجام الرموز والأيقونات المصرية والعربية والإسلامية، والوجوه والأجساد المألوفة التي جرى تصويرها، خارجيا وداخليا، حاملة تمظهرات الواقع بأناسه وحيواته وتفاصيله المكانية والزمانية وطقوسه النفسية.

وللمرأة الحضور الأكبر في لوحات المعرض، فجسدها هو الأكثر انسيابية وقدرة على استيعاب انثناءات الحركة وقفزات الجنون والرغبة في التمرد والتحرر والتزحلق فوق الثوابت، كما أن ملامحها أكثر رهافة وفاعلية في منح اللقطات الفوتوغرافية ديناميكيتها، لتنأى عن المتعارف عليه في عالم الكاميرا والعدسات من ضرورات التثبيت والتجميد والعزل خارج السياق.

تماهي الألوان والأضواء في التكوين
تماهي الألوان والأضواء في التكوين

قطع معرض “سكون الجسد” شوطا في مضمار فلسفة التعرية، بالمعنى الإيحائي الإيجابي، فليس المقصود بتكشّف الجسد الجانب الغرائزي أو الظهور الفاضح، وإنما خلخلة الميراث القيمي بوعي وحذر، وتطهير الكيانات المقدسة من صونها الزائف، وتخليص الإرث الثقافي والحضاري من قيوده وأقنعته.

وجاءت لوحات المعرض محاطة بأطر سوداء عريضة، بما يوسّع دائرة الغموض المحيطة بالصيرورة الإنسانية الراهنة، بتجلياتها الجسمانية والروحانية، فالإنسان يجاهد ويتحرك ويقفز ويقوم بحركات صعبة هنا وهناك، من أجل التطهر والخلاص والفكاك من المجهول.

ملمح آخر من ملامح “سكون الجسد”، هو التماهي بين الألوان والأضواء، بما يحيل إلى تشبّع الكتلة بطاقتها المشعة، والجسد بروحه التي تتقمصه وتكسبه وهجه وحضوره، وقد هيمنت درجات الأحمر على المشهد، بما تطرحه من حرارة واشتعالات تلائم خميرة الخلق وإعادة صوغ الكيان الآدمي.

معرض “سكون الجسد”، تجربة نوعية كشفت العديد من العلامات الإنسانية الخفية والدلالات المعرفية عبر وسائط فنية وجمالية متداخلة، قوامها التجديد والحساسية والإتقان.

17